عاد أكثر من 3 ملايين سوري إلى مناطقهم الأصلية بعد سنوات من الحرب، إلا أن عودتهم تجري في ظروف بالغة الصعوبة، في ظل دمار واسع للمنازل ونقص حاد في الخدمات، إلى جانب انتشار مئات الآلاف من الألغام والذخائر غير المنفجرة التي تهدد حياة العائدين، بحسب تقرير يرصد حال العائدين نشرته صحيفة "إل باييس" الإسبانية.
وبينما بدأت تظهر مؤشرات محدودة على عودة الحياة في بعض المدن، يضطر سكان في مناطق ريفية إلى إعادة بناء منازلهم وزراعة أراضيهم بجهودهم الخاصة، في انتظار مساعدات دولية لم تصل بعد بالحجم الموعود.
عودة فوق الركام
في قرية الحماميات بمحافظة حماة، عادت عائلات إلى منازلها المدمرة، لكنها لم تجد سوى الركام في انتظارها.
وتروي الصحيفة قصة عائلة محمد رياض الناصا، التي نصبت خيمة بجوار منزلها المدمر وبدأت تدريجيا في إعادة بناء غرفة واحدة، بينما بقي أطفالها الأصغر سنا في مخيم للاجئين بسبب صعوبة الظروف.
ويقول رب الأسرة إن أقرب مدرسة تبعد نحو 3 كيلومترات، فيما يقع أقرب مستشفى على مسافة تقارب 18 كيلومترا.
وتوضح تجربة العائلة حجم الاعتماد على المبادرات الفردية في المناطق الريفية. فغياب الكهرباء يدفع السكان إلى شراء الألواح الشمسية لتشغيل مضخات المياه وري الأراضي الزراعية، فيما يتولى السكان بأنفسهم إزالة الركام وإعادة بناء ما يستطيعون.
ويقول أفراد العائلة إنهم لا يبدأون من الصفر، بل "من أقل من الصفر"، لأن البناء يتطلب أولا إزالة آثار الحرب وما يرافق ذلك من كلفة ووقت.
ألغام في طريق العودة
ولا تقتصر مخاطر العودة على الفقر والدمار، بل تمتد إلى الأرض نفسها. وتقدر الأمم المتحدة وجود نحو 324 ألف لغم وذخيرة ومتفجرة منتشرة في أنحاء سوريا، معظمها في المناطق الريفية التي شهدت أعنف المعارك. وقد قتل اثنان من سكان المنطقة بعد عودتهما عندما انفجرت قذيفة غير منفجرة أثناء تنظيف أرضهما.
وتكشف قصة المزارع علي الجلاف حجم الخطر الذي يواجهه العائدون، حيث فقد ساقه بعد أن داس على جسم متفجر أثناء عمله في أرضه، ولا يزال يعاني شظايا لم يتمكن من تحمل كلفة إزالتها جراحيا.
ويقول الدكتور يمان صدا، العامل مع منظمة أطباء بلا حدود في مستشفى دير الزور، إن المنظمة عالجت 218 ضحية للذخائر غير المنفجرة خلال العام الحالي، فيما بلغ عدد الوفيات المرتبطة بهذه المتفجرات 1419 شخصا منذ ديسمبر 2024، ويشكل الاطفال نحو 40% من المصابين.
وتحاول منظمات دولية الحد من الخطر عبر برامج توعية تستهدف الأطفال، إذ يوثق التقرير ورشة في محافظة حمص يتعلم فيها تلاميذ تتراوح أعمارهم بين 10 و12 عاما كيفية التعرف على الالغام والذخائر غير المنفجرة.
إعادة إعمار بطيئة
في المقابل، بدأت تظهر بعض مظاهر التعافي في المدن والمناطق التي تتمتع بقدرة اقتصادية أكبر.
وتقول إل باييس إن الألواح الشمسية أصبحت أكثر انتشارا، فيما بدأت أعمال تعبيد الطرق وبعض مشاريع المياه والكهرباء، بينما أعيد بناء مدارس ومرافق محدودة بدعم من الأمم المتحدة ودول إقليمية.
لكن حجم الاحتياجات يفوق بكثير ما تحقق حتى الان. وتحدد الخطة الاستراتيجية للحكومة السورية للفترة 2026-2028 المدارس والمستشفيات والطرق والمياه والكهرباء كأولويات، في بلد يعيش فيه نحو 90% من السكان تحت خط الفقر. ومن بين 6.2 مليون نازح داخليا، لا يزال نحو 1.4 مليون شخص يعيشون في الخيام.
ويرى التقرير أن عودة أكثر من 3 ملايين سوري، نصفهم من الأطفال، لا تعني بالضرورة عودة الحياة الطبيعية. فالكثير من العائدين يجدون أنفسهم أمام واقع اقتصادي وخدمي لا يسمح لهم بالاستقرار، بينما تضغط دول تستضيف اللاجئين، بينها تركيا ولبنان وألمانيا، على دمشق لتسريع عودة مزيد منهم.
وبينما بدأت استثمارات محدودة تصل إلى بعض المناطق الاكثر تضررا، تظل عملية إعادة الإعمار بعيدة عن المستوى المطلوب.
ويبدو أن التحدي الحقيقي أمام سوريا لا يتمثل فقط في إعادة بناء المنازل والطرق، بل في توفير بيئة آمنة وخدمات أساسية تسمح لملايين العائدين بتحويل العودة من مجرد انتقال جغرافي إلى استقرار فعلي.





