قد تبدو احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين في شوارع بريطانيا جزءا من الجدل السياسي الواسع حول الحرب في غزة، لكن تحقيقا جديدا يفتح زاوية مختلفة للقصة: هل وصلت أموال مرتبطة بشبكة مؤيدة للصين إلى جهات شاركت في تنظيم هذه الاحتجاجات؟
قالت صحيفة التلغراف البريطانية إن تحقيقا تجريه لجان في الكونغرس الأميركي حول التدخل الأجنبي يبحث في أنشطة مجموعة كود بينك في بريطانيا، وهي منظمة يسارية نسوية أميركية معروفة بمواقفها المناهضة للحروب ودعمها للفلسطينيين.
وتشير الصحيفة إلى أن المجموعة نظمت أو دعمت احتجاجات في بريطانيا ضد موقف الحكومة من الحرب في غزة، ودعت إلى تحركات أمام قواعد عسكرية بريطانية.
لكن ما أثار اهتمام المحققين ليس المواقف السياسية للمجموعة وحدها، بل الأموال التي وصلت إلى جهة بريطانية مرتبطة بها.
ووفق التلغراف، تلقت شركة بريطانية مرتبطة بكود بينك أكثر من 250 ألف دولار من مؤسسات مرتبطة بشبكة رجل الأعمال الأميركي نيفيل روي سينغهام خلال عامي 2020 و2021، كما حصلت في 2024 على نحو 95 ألف دولار من مؤسسة أخرى مقابل خدمات استشارية.
وتقول الصحيفة إن أعضاء في الكونغرس يشتبهون في أن شبكة سينغهام لها صلات بجهات صينية، وإن الأموال التي قدمتها لمجموعات سياسية وناشطة في الولايات المتحدة وخارجها تستحق التحقيق لمعرفة طبيعة استخدامها ومصدرها النهائي.
في هذا الشأن، قال رئيس لجنة الطرق والوسائل في مجلس النواب الأميركي جيسون سميث للتلغراف إن تأثير أموال سينغهام لا يتوقف عند حدود الولايات المتحدة، وإن التحقيق يشمل أنشطة مرتبطة بالمملكة المتحدة.
رجل الأعمال في قلب القصة
هنا تبرز قصة سينغهام، رجل الأعمال الذي أسس شركة ثوت ووركس المتخصصة في استشارات تكنولوجيا المعلومات، قبل أن يبيعها عام 2017 مقابل 785 مليون دولار. وبعد إتمام الصفقة، اتجه سينغهام بشكل متزايد إلى النشاط السياسي وتمويل المنظمات والمؤسسات البحثية، ونقل جزءا من أعماله إلى شنغهاي، حيث بنى شبكة واسعة من العلاقات والجهات التي تتلقى دعمه، وفقا لتقرير نشرته قناة CBS News الأميركية.
وبحسب التقرير، يخضع سينغهام حاليا لتحقيق جنائي من هيئة محلفين كبرى في نيويورك. بدأ التحقيق بشبهات تتعلق بقانون تسجيل الوكلاء الأجانب، ثم توسع ليشمل قضايا ضريبية، من بينها احتمال تحويل أموال عبر منظمات غير ربحية مرتبطة به أو تقديم معلومات غير صحيحة في الإقرارات الضريبية الخاصة بها. ولم توجه إليه حتى الآن اتهامات جنائية، ولا يعني التحقيق ثبوت ارتكابه مخالفة.
وتقول الشبكة الأميركية إن سينغهام كان أحد كبار ممولي منظمة "ذي بيبولز فوروم"، كما قدم أموالا إلى كود بينك، التي أسستها زوجته جودي إيفانز. ووفق تقارير أوردتها CBS News، تحولت مواقف كود بينك من الصين مع توسع شبكة التمويل، بعدما كانت المنظمة في السابق أكثر انتقادا لسجل بكين في مجال حقوق الإنسان.
من غزة إلى الصين
تقول التلغراف إن كود بينك لا تركز فقط على الحرب في غزة، بل تنشط أيضا في قضايا تتعلق بالسياسة الخارجية الأميركية وبالصين. وقد أطلقت المنظمة حملة بعنوان "الصين ليست عدونا"، وانتقدت ما تعتبره سياسة أميركية تدفع نحو مواجهة مع بكين.
ومن بين الناشطات المرتبطات بنشاط المنظمة في بريطانيا سوزي غيلبرت، التي شاركت في حملات ضد القواعد العسكرية البريطانية في الخارج، كما ظهرت في نشاطات تدعو إلى النظر إلى الصين باعتبارها دولة لا ينبغي التعامل معها كعدو.
وتقول التلغراف إن هذه المواقف أصبحت موضع تدقيق بسبب العلاقات المالية التي تربط سينغهام بعدد من المنظمات. لكن ذلك لا يعني أن كل نشاط تقوم به كود بينك في بريطانيا ممول من الصين، ولا أن التحقيق الأميركي أثبت وجود توجيه مباشر من الحكومة الصينية للاحتجاجات.
هل تستغل بكين الانقسامات؟
تأتي القضية وسط مخاوف أوسع في بريطانيا والولايات المتحدة من استخدام قضايا الخلاف السياسي والاجتماعي كوسيلة للتأثير الأجنبي، وفقا لصحيفة التلغراف.
وتشير الصحيفة إلى أن الصين اتُهمت في السابق باستخدام حملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتضخيم الانقسامات داخل المجتمعات الغربية. وتقول الصحيفة إن القلق الحالي يتمحور حول انتقال هذا النوع من النشاط من الدعاية التقليدية إلى دعم أو استغلال حركات موجودة أصلا داخل المجتمعات الغربية.
في بريطانيا، دعا سياسيون من أحزاب مختلفة إلى التحقيق في الأموال والعلاقات المرتبطة بهذه الشبكة. وقالت النائبة العمالية سارة تشامبيون إن لندن يجب أن تتعاون مع واشنطن لمعرفة مصدر الأموال وطبيعة التأثير والجهات التي تقف وراءه.
أما النائبة المحافظة أليسيا كيرنز، فاعتبرت أن التهديد الصيني لا يقتصر على التجسس، وإنما يمكن أن يشمل شبكات تعمل داخل المجتمع البريطاني وتستفيد من قضايا خلافية قائمة.
في المقابل، نفت غيلبرت أن تكون جزءا من أي حملة دعائية لصالح بكين. كما سبق أن نفت كود بينك الاتهامات الموجهة إليها، وقالت إنها لا تتلقى أموالا من الحزب الشيوعي الصيني. كما نفى سينغهام نفسه أن يكون يعمل لحساب الحكومة الصينية، مؤكدا أن مواقفه السياسية نابعة من قناعاته الشخصية.





