لم تعد الجماعات الإرهابية في أفريقيا تعتمد على مصدر واحد لتمويل عملياتها، بل أسست اقتصادا متعدد المصادر يستفيد من هشاشة الحدود وضعف سلطة الدولة وانتشار الأنشطة غير الرسمية.

من الخطف والفدية إلى الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، ومن المخدرات والأسلحة إلى الضرائب والإتاوات والذهب والموارد الطبيعية، تتحول الجريمة المنظمة إلى مصدر للأموال والموارد التي تساعد هذه الجماعات على البقاء والتوسع.

الخطف.. رهينة بـ50 مليون دولار

فقد كشفت حالة حديثة في مالي حجم الأموال التي يمكن أن يولدها الخطف إذ نقلت وكالة رويترز عن تقرير لفريق خبراء يراقب تنظيمي القاعدة وداعش لصالح مجلس الأمن، أن فدية بنحو 50 مليون دولار دُفعت مقابل إطلاق سراح رهينة اختطفه مسلحون مرتبطون بتنظيم القاعدة أواخر عام 2025.

وبحسب التقرير الذي نشر في أغسطس الجاري، أعيد توزيع معظم الأموال على كتائب منضوية ضمن ما يعرف بـ"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بالقاعدة، ولعبت دورا رئيسيا في تمويل هجمات الجماعة في مالي.

وقال خبراء إن الأموال ساعدت في تمويل الأسلحة والخدمات اللوجستية والمقاتلين.

كما خُصص جزء من الفدية لتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، الذي حوّل جزءا منها لاحقا إلى القيادة المركزية للقاعدة و"تنظيم القاعدة في جزيرة العرب".

وكشف مصدران أمنيان لرويترز أن الفدية تجاوزت بكثير المبالغ السابقة التي كانت تتراوح عادة بين أربعة وستة ملايين دولار مقابل الإفراج عن أجانب.

البشر والتهريب.. المال والطريق

ويشكل الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين جزءا آخر من الاقتصاد غير المشروع المحيط بالجماعات الإرهابية.

وأدرجت تقارير الأمم المتحدة الاتجار بالبشر ضمن الجرائم المرتبطة بمخططات تمويل الإرهاب في أفريقيا، إلى جانب المخدرات، والأسلحة، والخطف، والنهب.

في شمال مالي، وثقت المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود GI-TOC العلاقة بين شبكات تهريب البشر والجماعات المسلحة، مشيرة إلى أن بعض المهربين يحتاجون إلى دفع الأموال أو الحصول على موافقة جماعات مسلحة لاستخدام طرق معينة.

كذلك أشارت إلى أن "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" تفرض ضرائب على مهربين عند نقاط تفتيش على طرق تربط شمال مالي بالجزائر.

أما بوكو حرام، فقد وثقت الأمم المتحدة اختطافها واستغلالها للنساء والأطفال والفتيات، بما في ذلك الاستعباد، والاستغلال الجنسي، والزواج القسري، والتجنيد.

وأشار مجلس الأمن في قراره 2349 بشأن حوض بحيرة تشاد إلى جرائم تشمل الاتجار بالبشر والأسلحة والمخدرات والموارد الطبيعية إلى جانب الخطف والنهب.

وتوفر طرق التهريب فائدة أخرى تتجاوز الأموال، إذ تستخدم لنقل المقاتلين والأسلحة والسلع.

كذلك تشير مجموعة العمل المالي FATF إلى استخدام بوكو حرام وتنظيم داعش في غرب أفريقيا طرق التهريب لنقل السلع والمقاتلين والأسلحة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

المخدرات والأسلحة والضرائب

في موازاة ذلك تضع تقييمات الأمم المتحدة المخدرات والأسلحة ضمن الأنشطة الإجرامية المرتبطة بتمويل الإرهاب في أفريقيا. وقد تستفيد الجماعات منها عبر المشاركة المباشرة أو فرض الرسوم على الشبكات التي تعمل في مناطق نفوذها.

وتعد الضرائب والإتاوات والابتزاز مصدرا أكثر استمرارية. وأكد مجلس الأمن استخدام أنظمة الابتزاز والضرائب في المناطق الخاضعة للجماعات الإرهابية والإجرامية لتمويل العمليات.

فيما يقدم داعش في غرب أفريقيا مثالا على ذلك، إذ وثقت تقارير مرتبطة بالأمم المتحدة فرض رسوم على أنشطة اقتصادية محلية، بما فيها الصيد والماشية والرعي، ما يوفر دخلا وفي الوقت نفسه يعزز السيطرة على السكان.

Image 1

الذهب.. تمويل من باطن الأرض

إلى ذلك تبرز الموارد الطبيعية، خصوصا الذهب والأحجار الكريمة، كمصدر آخر للأموال.

وتشير تقييمات لجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن CTED إلى استفادة جماعات إرهابية من الموارد الطبيعية، ووجود صلات بين تمويل الإرهاب والأنشطة غير المشروعة المرتبطة بمناجم الذهب الحرفية في أجزاء من غرب أفريقيا.

فيما لا تحتاج الجماعات إلى إدارة المناجم مباشرة؛ فالسيطرة على المناطق المحيطة أو طرق نقل الذهب تتيح فرض الرسوم على العمال والتجار والحصول على جزء من العائدات.

وتشير تقارير FATF والهيئات الإقليمية كذلك إلى مصادر أخرى مرتبطة بالاقتصاد المحلي، بينها سرقة الماشية وتهريب الوقود والسلع الاستهلاكية.

وهكذا تكشف خريطة التمويل عن اقتصاد متنوع يتلخص كالآتي:

  • رهائن مقابل ملايين الدولارات،
  • إتاوات على طرق التهريب،
  • استغلال للبشر،
  • ضرائب على السكان والتجار،
  • وموارد طبيعية وذهب وسلع تتحول إلى أموال.

بذلك تصبح السيطرة على الإنسان والطريق والمنجم والسوق أدوات مختلفة لتحقيق هدف واحد: تمويل التنظيمات وضمان قدرتها على الاستمرار والتوسع.