لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية سباقًا على المدافع والصواريخ والجنود فحسب، بل تحولت إلى مواجهة تكنولوجية متسارعة، يظهر فيها سلاح جديد لتظهر بعده مباشرة وسيلة لإفشاله.
من المسيّرات التي تجلي الجرحى إلى أخرى تحمل مسيّرات أصغر، وصولًا إلى طائرات اعتراضية تطارد "شاهد" في السماء، بات الابتكار جزءًا أساسيًا من معركة التفوق بين موسكو وكييف.
فقد حققت أوكرانيا تقدمًا ميدانيًا خلال النصف الأول من العام الحالي، مستفيدة من تحسين قدراتها على تنفيذ الضربات متوسطة المدى، ما مكّن قواتها من استهداف خطوط الإمداد والخدمات اللوجستية الروسية وإبطاء تقدم موسكو في بعض مناطق القتال، بحسب تقرير لـ"وول ستريت جورنال".
في الوقت نفسه، نقلت كييف الضغط إلى مسافات أبعد، إذ تسببت ضرباتها بعيدة المدى في أزمة وقود بشبه جزيرة القرم الخاضعة للسيطرة الروسية، كما هددت مصافي نفط في عمق روسيا، لتصبح تداعيات الحرب أكثر قربًا من السكان الروس.
جنود آليون على الأرض
وأحد أبرز التحولات يجري على الأرض، حيث تستخدم القوات الأوكرانية مركبات برية مسيّرة لتنفيذ بعض أخطر المهمات، بدءًا من نقل الإمدادات وصولًا إلى إجلاء الجنود الجرحى من مناطق القتال.
وفي يونيو وحده، نفذت هذه الأنظمة أكثر من 16 ألف مهمة، أي ما يقارب ضعف عدد المهمات المسجلة في مارس.
من بين هذه الأنظمة "تيرميت 2.0"، وهي مركبة مسيّرة يصل مداها إلى نحو 39 كيلومترًا، وتبلغ حمولتها القصوى قرابة 398 كيلوغرامًا، ويمكن استخدامها لنقل المؤن والمعدات وإجلاء المصابين.
"مسيّرات أم" تحمل مسيّرات أخرى
وفي السماء، ظهرت فكرة مختلفة لتجاوز أحد أبرز قيود مسيّرات FPV الصغيرة، وهو قصر مداها.
وباتت روسيا وأوكرانيا تستخدمان ما يمكن وصفه بـ"المسيّرات الأم"، وهي طائرات أكبر تحمل على متنها مسيّرات FPV صغيرة، وتنقلها إلى مناطق بعيدة قبل إطلاقها باتجاه أهدافها.
وتستخدم روسيا، على سبيل المثال، مسيّرات ثابتة الجناحين مثل "مولنيا"، فيما يصل مدى "مولنيا-2" إلى نحو 69 كيلومترا وبسرعة قصوى تبلغ نحو 121 كيلومترا في الساعة.
وتسمح هذه الطريقة لمسيّرات FPV بالوصول إلى أهداف كانت خارج نطاقها التقليدي، إذ يبلغ مدى بعضها بضع كيلومترات فقط.

"شاهد" تدخل عصر الشبكات
فيما لم تعد المسيّرات الروسية من طراز "شاهد" مجرد طائرات تنطلق نحو هدف محدد مسبقًا، إذ أتاحت تقنيات الشبكات المتداخلة "Mesh Networks" إمكان التحكم بها وتنفيذ عمليات استطلاع بصورة لحظية فوق المدن الأوكرانية أثناء الهجمات.
وتعتمد المنظومة على هوائيات توفر اتصالًا لاسلكيًا مع مسيّرات تحلق على ارتفاعات عالية، لتعمل هذه الطائرات كحلقة اتصال تنقل الإشارة إلى المسيّرات الهجومية التي تحلق على ارتفاعات أقل وتتجه نحو أهدافها.
وبهذه الطريقة تستطيع روسيا توسيع نطاق الاتصال والحفاظ على القدرة على توجيه بعض المسيّرات خلال الهجوم، بدلاً من الاعتماد بالكامل على مسار محدد سلفاً.

مسيّرات تتحدى التشويش
في المقابل، تعمل أوكرانيا على زيادة استخدام مسيّرات FPV المصممة لمقاومة إجراءات الحرب الإلكترونية الروسية، وفق مستشار وزارة الدفاع الأوكرانية السابق سيرهي ستيرنينكو.
ويهدف المشروع إلى منح القوات الأوكرانية قدرة أكبر على ضرب الأهداف في العمق، في وقت تظهر فيه تسجيلات ميدانية هذه المسيّرات وهي تستهدف شاحنات روسية أثناء تحركها.
تستخدم القوات الأوكرانية كذلك اتصال "ستارلينك" إلى جانب خوارزميات الملاحة في المرحلة الأخيرة من رحلة المسيّرة، لمساعدة المشغلين على الوصول إلى أهدافهم رغم التشويش الروسي.
كما تساهم تقنيات التعرف اللحظي على الأهداف وتطور أنظمة الأتمتة في زيادة كفاءة المشغلين، وتقليل عدد الأشخاص المطلوبين لمهاجمة العدد نفسه من الأهداف.

مطاردة "شاهد" في السماء
ومن أبرز الابتكارات الأوكرانية المتسارعة المسيّرات الاعتراضية المصممة لملاحقة الطائرات الروسية من طراز "شاهد" وإسقاطها.
ومن بينها مسيّرة "ستينغ"، التي يصل مداها إلى نحو 37 كيلومتراً وتبلغ سرعتها القصوى نحو 282 كيلومتراً في الساعة، متفوقة بذلك على سرعة "شاهد-136" التي تصل إلى نحو 185 كيلومتراً في الساعة.
وساعد نشر هذه المسيّرات الاعتراضية أوكرانيا على رفع معدل اعتراض طائرات "شاهد" إلى 87% في يوليو، مقارنة بـ81% في ديسمبر، وفق تحليل لبيانات رسمية أوكرانية.
روسيا ترد بمسيّرات نفاثة
لكن التفوق التكنولوجي في هذه الحرب لا يدوم طويلاً.
فمع نجاح أوكرانيا في استخدام المسيّرات السريعة لمطاردة "شاهد"، بدأت روسيا تراهن على طائرات مسيّرة تعمل بمحركات نفاثة تستطيع التحليق بسرعات أعلى بهدف الإفلات من الاعتراض.
وهكذا يدخل الطرفان حلقة متواصلة من الابتكار والابتكار المضاد: مسيّرات هجومية تقابلها مسيّرات اعتراضية، والتشويش الإلكتروني يقابله تطوير أنظمة مقاومة له، ومحدودية المدى يجري تجاوزها عبر "المسيّرات الأم"، فيما تدفع زيادة سرعة الاعتراض روسيا إلى تطوير طائرات أسرع.





