أقرّ مجلس النواب اللبناني قانون العفو العام بعد جلسة صاخبة داخل البرلمان واحتجاجات خارجه، ليُفتح بابا جديدا أمام آلاف الموقوفين والمحكومين، ويعيد طرح أسئلة قديمة حول العدالة، والإنصاف، والملفات التي بقيت معلّقة لأعوام. القانون الذي انتظره كثيرون، ورفضه آخرون، جاء في لحظة سياسية دقيقة، وفي ظلّ أزمة اكتظاظ في السجون.

القانون يبدأ في مقدمته بتأكيد "إعادة الاعتبار لمبدأ العدالة" ومعالجة التأخير المزمن في إصدار الأحكام، مشيراً إلى أنّ السجون اللبنانية تعيش "أزمة إنسانية حادّة" بسبب توقيفات طويلة بلا محاكمات. هذه الديباجة كانت المدخل الذي استند إليه النواب المؤيدون، معتبرين أنّ العفو ضرورة اجتماعية قبل أن يكون تسوية سياسية.

Image 1

من المستفيد من العفو العام؟

يُعدّ ملف "الموقوفين الإسلاميين" من أكثر الملفات حساسية في لبنان. نحو ٤٠٠ شخص بين موقوف ومحكوم، بينهم من أمضى أعواما طويلة بلا محاكمة. القانون الجديد يفتح الباب أمام خروج عدد كبير منهم، شرط ألا يكونوا قد ارتكبوا جرائم قتل عمد أو أفعالاً إرهابية بحق المدنيين أو العسكريين.

وفق تقديرات نيابية، سيخرج عشرات الموقوفين فوراً بينما يخرج آخرون خلال أشهر وسنوات قليلة مقبلة، بعد تخفيض العقوبات وإعادة احتساب السنوات السجنية.

لكنّ هذا الملف لم يمرّ بلا اعتراضات. محامي الشيخ أحمد الأسير، محمد صبلوح، قال إنّ القانون "لم يُنصف جميع الموقوفين"، مؤكّداً أنّ موكّله مستثنى من العفو بسبب طبيعة التهم الموجّهة إليه، وأنّ "الاستثناءات جاءت واسعة إلى حدّ حرمت عدداً من الموقوفين من فرصة إعادة النظر في ملفاتهم". وأضاف أنّ "العفو كان يمكن أن يشكّل خطوة نحو مصالحة وطنية لو شمل جميع من تأخرت محاكماتهم لسنوات طويلة".

قضايا المخدرات.. أكبر كتلة خارجة من السجون

يشكّل الموقوفون في قضايا المخدرات العدد الأكبر من المستفيدين. آلاف الشبان الذين دخلوا السجون بسبب التعاطي أو الترويج البسيط سيخرجون بموجب القانون، بينما يبقى كبار المتورّطين وتجار المخدرات الذين تكررت بحقهم الملاحقات خارج دائرة العفو.

رجال القانون يرون أنّ هذا البند يعالج واقعا اجتماعيا واقتصاديا في المناطق التي تعاني من غياب الدولة، حيث تحوّلت زراعة الحشيشة إلى مصدر رزق في ظلّ الانهيار الاقتصادي، وأنّ العفو قد يفتح بابا لعودة هؤلاء إلى حياتهم الطبيعية إذا ترافق مع خطط دعم اجتماعي.

هل يستفيد "إسكوبار لبنان" من العفو؟

أجمع عدد من رجال القانون على أن نوح زعيتر الملقب بـ"إسكوبار لبنان" لا يستفيد من قانون العفو الأخير لـ٣ أسباب: تكرار الملاحقات والأحكام الغيابية الصادرة بحقه وخطورة الجرائم المنسوبة إليه ومنها تشكيل مجموعات مسلحة وحيازة أسلحة حربية والاعتداء على قوى أمنية رسمية وتوصيفه كتاجر مخدرات كبير.

Image 1

المبعدون إلى إسرائيل.. عودة مشروطة

يشمل القانون فئة اللبنانيين المبعدين إلى إسرائيل منذ العام ألفين، عقب الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان، بشرط ألا يكون الشخص قد انتمى إلى ما كان يُعرف بـ"جيش لبنان الجنوبي"، وألا يكون صادرا بحقه حكم سابق، وأن يتخلى عن الجنسية التي اكتسبها خلال وجوده هناك.

هذا البند أثار اعتراضات داخل إسرائيل، إذ اعتبرت رابطة عائلات عناصر "جيش لبنان الجنوبي" أنّ القانون "لم يعالج أوضاع الآباء الذين قاتلوا في صفوف الجيش الجنوبي"، وأنّه "ساوى بينهم وبين فئات أخرى لا علاقة لها بملف الجنوب".

بدورها رعية بلدة القليعة الجنوبية اعتبرت أن المبعدين "لا يحتاجون إلى عفو عام.. والقانون الصادر أخيرا لا يتناسب مع تطلعاتنا..".

من بقي خارج العفو؟

القانون وضع لائحة واسعة من الاستثناءات، أبرزها جرائم القتل العمد، والجرائم الإرهابية التي أدّت إلى قتل أو تفجير أو اعتداء على مؤسسات الدولة، إضافة إلى جرائم الخيانة والتجسس، والسرقة المتكررة، والاعتداء على الأملاك العامة، واختلاس المال العام، والإثراء غير المشروع، والجرائم المتعلقة بالآثار، والاغتصاب والاتجار بالبشر والعنف الأسري.

رجال القانون يرون أنّ هذه الاستثناءات ضرورية لحماية الحق العام ومنع الإفلات من العقاب في الجرائم التي تمسّ حياة الناس وأمن الدولة، وأنّ العفو العام لا يمكن أن يشمل الجرائم التي تُعدّ اعتداءً مباشراً على المجتمع.

هل هو عفو أم تسوية؟

القانون فتح باباً واسعاً للنقاش. مؤيدوه اعتبروه خطوة تاريخية تعيد التوازن إلى النظام القضائي وتخفّف الاكتظاظ الذي بلغ مستويات خطيرة. منتقدوه اعتبروه تسوية سياسية بين القوى المختلفة، بحيث حصل كل طرف على حصته من المستفيدين، وأنّه لم يحقق المصالحة الوطنية المنشودة التي كان يُفترض أن تترافق مع أي عفو عام.

مع ذلك، يبقى القانون حدثا مفصليا في الحياة التشريعية اللبنانية، يعيد فتح ملفات قديمة، ويمنح آلاف العائلات فرصة جديدة، ويطرح أسئلة حول مستقبل العدالة في بلد يعيش أزمات متلاحقة.