مع استمرار الحرب في أوكرانيا وارتفاع كلفتها، تتجه موسكو إلى توسيع مصادر تمويلها لتغطية الإنفاق العسكري المتزايد.

وإلى جانب عائدات النفط والغاز، بدأت الحكومة الروسية استخدام موارد أخرى، من احتياطيات الذهب والألماس إلى أصول الشركات والضرائب والديون.

فيما تراجع احتياطي روسيا من الذهب بنحو 43.5 طن خلال النصف الأول من 2026، في أكبر انخفاض نصف سنوي منذ ربع قرن على الأقل، بحسب صحيفة إل كونفيدنسيال الإسبانية.

لكن اللجوء إلى الذهب لا يعني أن روسيا على وشك الإفلاس، إذ تشير المعطيات إلى أن موسكو لا تزال تملك أدوات وموارد لتمويل الحرب، وإن كانت كلفة ذلك تتزايد على الاقتصاد.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

الذهب يدخل على خط تمويل الحرب

وبحسب دويتشه فيله، بدأت روسيا استخدام جزء من الذهب الموجود في صندوق الرفاه الوطني لتوفير السيولة. ويضم الصندوق نحو 150 مليار دولار من الأصول، بينها قرابة 50 مليار دولار من الأصول السائلة.

يأتي ذلك في وقت تواجه موسكو صعوبة في الوصول إلى الأسواق المالية الدولية بسبب العقوبات الغربية. وأصبح تحويل جزء من أصول الصندوق إلى أموال وسيلة لتغطية احتياجات الموازنة.

ويقول المحلل الاقتصادي كريس ويفر، وفقا لدويتشه فيله، إن استخدام هذه الأصول يتوافق مع الوظيفة التي أنشئ صندوق الرفاه الوطني من أجلها. لذلك، لا تعني مبيعات الذهب أن روسيا تستنزف احتياطياتها بالكامل.

وتملك موسكو أيضا ميزة مهمة، فهي من أكبر منتجي الذهب في العالم، ما يتيح لها إعادة شراء الذهب من المنتجين المحليين إذا تحسنت أوضاع المالية العامة.

لكن تراجع الاحتياطي يعكس في الوقت نفسه حجم الضغوط التي تواجهها الموازنة. وفقا لإل كونفيدنسيال، انخفضت إيرادات النفط والغاز الروسية بنسبة 23% خلال النصف الأول من 2026، بينما ارتفع الإنفاق المرتبط بالحرب بنحو 16%.

تحتاج موسكو إلى تمويل شراء الأسلحة والذخيرة، وتعويض الخسائر في المعدات، والحفاظ على إنتاج مصانع الدفاع، فضلا عن دفع أجور وحوافز مرتفعة لاستقطاب الجنود.

من الذهب إلى الألماس وأصول الشركات

وبحسب إل كونفيدنسيال، تستعد مؤسسة غوخران التابعة لوزارة المالية لتنظيم مزاد في موسكو لبيع ألماس طبيعي من الاحتياطي الحكومي، بينها أحجار يزيد وزنها على 10.8 قيراط.

فيما لن تحل مبيعات الألماس مشكلة العجز الروسي، لكن دلالتها تكمن في أن الحكومة تبحث عن موارد إضافية في مختلف أنحاء الدولة.

ومنذ بداية الحرب، اتجه الكرملين أيضا إلى أصول القطاع الخاص. وفقا للصحيفة الإسبانية، نقلت الدولة بين بداية 2022 ونهاية 2025 ملكية أصول خاصة تقدر قيمتها بنحو 60 مليار دولار.

كما رفعت ضريبة أرباح الشركات من 20% إلى 25%، مع توقعات بتحقيق نحو 19 مليار يورو إضافية سنويا.

وكانت الشركات الحكومية مصدرا آخر للأموال، إذ سلمت غازبروم الدولة نحو 72 مليار دولار في 2022، وهو ما يقارب كامل أرباحها في العام السابق. لكن الشركة سجلت في 2023 أول خسارة سنوية لها منذ نحو ربع قرن، بعدما فقدت معظم عملائها الأوروبيين.

وتحملت الأقاليم الروسية أيضا جزءا متزايدا من كلفة الحرب. ففي 2025، سجلت 73 من أصل 89 كيانا روسيا عجزا في موازناتها، مقابل 49 في العام السابق.

خزائن تحت الضغط.. لكن الانهيار ليس وشيكا

رغم هذه المؤشرات، لا تعني مبيعات الذهب والألماس أنّ روسيا تتجه إلى أزمة مالية شاملة.

ويؤكد كريس ويفر، وفقا لدويتشه فيله، أن بيع الذهب لا يعني أن روسيا "تنفد أموالها". فالذهب الموجود في صندوق الرفاه الوطني جزء من الأصول التي يمكن استخدامها عند الحاجة.

وتقول أغاثي ديماريه، الباحثة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن موسكو لا تزال تملك مساحة كبيرة لتعبئة الموارد، لكن مصادر التمويل أصبحت أقل موثوقية، بحسب إل كونفيدنسيال.

وتملك الحكومة أدوات أخرى لزيادة الإيرادات. فقد رفعت ضريبة القيمة المضافة من 20% إلى 22%، في خطوة تتوقع موسكو أن توفر نحو 11 مليار يورو سنويا. كما تخطط لرفع أسعار الغاز والكهرباء والتدفئة، مع زيادة تراكمية تبلغ 27.9% بين 2026 و2028.

لكن كلفة الحرب بدأت تظهر على الاقتصاد المدني. ووفقا لصحيفة إل كونفيدنسيال، تراجع الدخل المتاح للأسر بعد احتساب التضخم والاشتراكات الإلزامية بنسبة 0.23% مقارنة بالمستوى المتوقع في نهاية 2025، بينما انخفضت الأجور الحقيقية بنسبة 0.15% في مايو.

كما تغلق بين 12 و15 ألف شركة روسية شهريا لأسباب اقتصادية، بينما بدأت شركات كبيرة خفض تكاليف الموظفين. وبلغت البطالة 2.1%، في ظل نقص العمالة والمنافسة من قطاع الصناعات العسكرية.

وتظهر الضغوط أيضا في نظرة الروس إلى الاقتصاد. فبحسب إل كونفيدنسيال، يرى 56% من الروس أن مستوى معيشتهم يتراجع، بينما يعتقد 60% أن الاقتصاد يسير نحو الأسوأ.

لذلك، فإن بيع الذهب والألماس لا يمثل بحد ذاته مؤشرا على انهيار مالي وشيك. لكنه يكشف اتساع نطاق الموارد التي تحتاج موسكو إلى تعبئتها لمواصلة الحرب.