لم تعد آثار الحرب في جنوب لبنان تقتصر على المباني التي دمرتها الغارات، إذ تكشف صور الأقمار الصناعية وتحليل البيانات أنّ الدمار امتدّ إلى المياه والطرق والزراعة والمدارس والمراكز الصحية والغابات، في وقت يظلّ عشرات آلاف السكان ممنوعين من العودة إلى مناطقهم.
وتقول فايننشال تايمز إن جانبا كبيرا من هذا الدمار وقع بعد تثبيت القوات الإسرائيلية سيطرتها على قرى أخليت من سكانها.
وبالتعاون مع مؤسسة Lighthouse Reports، أجرت فايننشال تايمز تحقيقا بصريا اعتمد على صور الأقمار الصناعية وبيانات مفتوحة ومقاطع مصورة جرى التحقق منها، وخلص إلى وجود تدمير واسع في عشرات القرى، شمل المنازل والمنشآت المدنية والأراضي الزراعية والغابات.
قرى كاملة تمحى من الخريطة
تظهر صور الأقمار الصناعية التي حللتها فايننشال تايمز أنّ الدمار تجاوز استهداف مبان منفردة أو مراكز بلدات محددة، ليشمل مناطق واسعة من بلدات بأكملها.
وفي بنت جبيل وعيناتا، رصد التحقيق عمليات هدم بدأت من مراكز البلدات ثم امتدت إلى الأطراف، بينما تعرضت بلدات أخرى لعمليات تدمير واسعة بعد وقف إطلاق النار الأول.
ويقدّر المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان أن نحو 85 ألف وحدة سكنية تضررت أو دمرت في الجنوب، مع احتمال أن يكون الرقم أقل من الحجم الفعلي للدمار، إذ لم يتم تقييم ما بين 20 و30٪ من المباني حتى الآن بسبب استمرار الهجمات.
كما وثقت فايننشال تايمز أدلة على تفجيرات وهدم منظم نفذته القوات الإسرائيلية ومتعاقدون مدنيون في عشرات البلدات الحدودية.
وفي المنطقة الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، يقول المجلس إن 62 قرية ومزرعة تقع ضمن ما يسمى الخط الأصفر، فيما يقدر عدد السكان الممنوعين من العودة إلى مناطقهم بنحو 270 ألف شخص.
الدمار يتجاوز المنازل.. المياه والزراعة تحت الضربات
ولا يتوقف المشهد عند الركام. فقد أدّى تدمير البنية التحتية إلى ضرب مقومات الحياة اليومية، إذ تشير بيانات السلطات اللبنانية والمجلس الوطني للبحوث العلمية إلى تضرر ما لا يقل عن 2500 كيلومتر من منشآت المياه، بما يشمل الأنابيب وآبار المياه والمنشآت المستخدمة في نقل المياه وتخزينها.
كما دمّرت إسرائيل جميع الجسور فوق نهر الليطاني، ولم تتم إعادة تأهيل سوى جسرين بشكل جزئي، فيما تقول وزارة الزراعة اللبنانية إن أكثر من 20٪ من الأراضي الزراعية والغابات في جنوب لبنان دمرت.
وتُعدّ بساتين الزيتون من أكثر المناطق تضررا، وهي مورد اقتصادي وثقافي أساسي للجنوب الذي ينتج نحو 40٪ من محصول الزيتون اللبناني.
وتقول فايننشال تايمز إنّ وزارة البيئة اللبنانية ومنظمات حقوقية وثّقت استخدام الفوسفور الأبيض على نطاق واسع في مناطق مأهولة وزراعية، بينما تقول إسرائيل إنّ استخدامه يتم بصورة قانونية لإزالة الغطاء النباتي وإنشاء ستائر دخانية، مع إقرار التقرير بأنّ استخدامه في المناطق المأهولة قد يشكّل انتهاكا للقانون الدولي.
هل الهدف منع السكان من العودة؟
تضع هذه الوقائع سؤال العودة في قلب القضية. فبحسب التحقيق، أدى تدمير المنازل إلى جانب المياه والطاقة والطرق والمدارس والزراعة والرعاية الصحية إلى جعل إعادة الحياة إلى مناطق واسعة أكثر صعوبة، بينما ترى منظمات حقوقية وخبراء قانونيون أن نمط الدمار قد يكون مصمما لمنع السكان من العودة.
وتقول كريستين بيكرل، نائبة مدير منظمة العفو الدولية، إن ما يحدث يمثل هجوما واسعا ومنظما وطويل الأمد على سكان جنوب لبنان، معتبرة أن تدمير البنية التحتية الحيوية وحرق الأراضي يحول المنطقة إلى مساحات غير قابلة للحياة ويجعل عودة السكان شديدة الصعوبة.
في المقابل، تقدم إسرائيل حملتها باعتبارها إجراء دفاعيا يهدف إلى تفكيك بنية حزب الله ومنع إعادة بنائه قرب الحدود وحماية البلدات الإسرائيلية الشمالية، وتقول إن قواتها ستواصل السيطرة على "منطقة أمنية" والتعامل مع أي تهديد طالما بقي الحزب موجودا في المنطقة.
لكن حجم الدمار، وفق التحقيق، يفتح نقاشا يتجاوز الضرر العسكري المباشر. فالهدم طال أيضا مواقع تاريخية ودينية وتراثية، بينها مساجد ومكتبات ومزارات وآثار رومانية وقلاع صليبية، ما دفع ناشطين في مجال الحفاظ على التراث إلى التحذير من أنّ تدمير هذه المواقع يقطع الصلة بين السكان وأرضهم وتاريخهم.





