تتجه أوكرانيا إلى أسلوب جديد في حربها ضد روسيا، يقوم على استهداف واحدة من أكثر الشركات ارتباطا بالحياة اليومية للروس.
بعد سلسلة ضربات بطائرات مسيرة استهدفت مستودعات وايلدبيريز، التي توصف بأنها "أمازون روسيا" وأكبر منصة للتجارة الإلكترونية في البلاد، تبدو كييف عازمة على نقل كلفة الحرب إلى قلب الحياة الاقتصادية اليومية للروس، مستهدفة قطاعا يعتمد عليه ملايين المستهلكين والتجار والعمال، وليس فقط المنشآت العسكرية ومنشآت الطاقة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة تايمز البريطانية، اندلع حريق ضخم في مستودع للشركة في سامارا جنوب غربي روسيا، بعد ضربة بطائرة مسيرة، ضمن حملة بدأت في 18 يوليو باستهداف مركز لوجستي ضخم قرب موسكو، أسفر عن مقتل ثمانية موظفين.
ومنذ ذلك الحين، توالت الهجمات على منشآت أخرى تابعة للشركة، وسط خسائر بمليارات الروبلات.
وتستحوذ وايلدبيريز على نحو نصف سوق التجارة الإلكترونية في روسيا، وتخدم عشرات الملايين من المستهلكين، ما يجعل استهداف منشآتها مؤثرا على شبكة واسعة من التجار والعمال والمشترين.
وفي أحدث التطورات، قال فيتالي كوروليوف حاكم منطقة تفير الروسية الخميس إن حطاما ناجما عن هجوم أوكراني بطائرات مسيرة ألحق أضرارا طفيفة بواجهة مجمع لوجستي تابع لشركة وايلدبيريز للتجارة الإلكترونية في المنطقة.
وكان هذا الهجوم هو الأحدث في سلسلة من الضربات الأوكرانية التي تستهدف منشآت وايلدبيريز، إذ تعرض ما لا يقل عن 20 مستودعا مملوكا للشركة لهجمات منذ 18 يوليو.
ونقل موقع موسكو تايمز عن الشركة ومسؤولين محليين أن طائرات مسيرة أوكرانية استهدفت مركزا لفرز الشحنات في منطقة تولا، ما أدى إلى إصابة شخص واحد على الأقل.
وقال حاكم المنطقة إن أكثر من 100 طائرة مسيرة جرى اعتراضها خلال الهجوم، فيما أعلنت الشركة إجلاء موظفيها وتحويل الشحنات إلى مواقع أخرى. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية اعتراض 475 طائرة مسيرة فوق مناطق روسية وشبه جزيرة القرم خلال الفترة نفسها.
ووفقا لموسكو تايمز، استهدفت أوكرانيا منذ منتصف يوليو ما يقارب عشرين مركزا لوجستيا تابعا لوايلدبيريز، متهمة الشركة بتوفير مكونات للطائرات المسيرة ومعدات أخرى للجيش الروسي.
لماذا وايلدبيريز؟
قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن الشركة أصبحت هدفا عسكريا بسبب دورها في توفير مكونات للطائرات المسيرة ومعدات الملاحة وغيرها من المعدات للقوات الروسية.
وبحسب تايمز، أزالت الشركة صفحة ترويجية بعنوان "كل شيء للعملية العسكرية الخاصة"، كانت تعرض معدات بينها الدروع والخوذ التكتيكية وتجهيزات تسمح للطائرات المسيرة المدنية بحمل قنابل، وتستخدمها مجموعات روسية لدعم القوات على الجبهة.
لكن كييف ترى في الضربات أيضا وسيلة للضغط على الاقتصاد الروسي. وقال مستشار زيلينسكي ميخائيل بودولياك إن الحملة تهدف إلى الضغط على الجهات المالية المرتبطة بالكرملين وتقليص الإيرادات التي تصل إلى الموازنة الروسية.
وتبلغ مبيعات وايلدبيريز نحو 6 تريليونات روبل، أي ما يقارب 59 مليار دولار، بحسب تايمز، فيما تعد الشركة من أكثر الشركات الروسية مديونية، خصوصا بسبب ارتباطها بمصرف "في تي بي" الحكومي.
وحذر الملياردير الروسي أوليغ ديريباسكا من أن انهيارها قد يؤدي إلى سلسلة من الأزمات داخل القطاع المصرفي.
"عقوبات بعيدة المدى"
تصف أوكرانيا هذه الاستراتيجية بأنها "عقوبات بعيدة المدى"، أي استخدام القوة العسكرية لتحقيق نتائج اقتصادية شبيهة بالعقوبات التقليدية.
وتقول تايمز إن الشركة أصبحت أكثر ارتباطا بالكرملين منذ بداية الحرب، بعدما وافق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 2024 على اندماجها مع "روس أوتدور"، كما اشترى مصرف "في تي بي" في مايو الماضي حصة تبلغ 5 في المئة فيها.
وترى ناتاليا كوفاليفا من مؤسسة تشاتام هاوس، بحسب الصحيفة، أن ضربات وايلدبيريز تمثل تطورا جديدا في الضغط الاقتصادي على روسيا، وتكشف تزايد اعتماد قطاع الأعمال على الكرملين.
وفي الداخل الروسي، بدأت آثار الحملة تظهر بين التجار الذين فقدوا بضائعهم وأموالهم.
ونقلت تايمز عن أحد البائعين دعوته مالكة الشركة تاتيانا كيم إلى استخدام نفوذها لدى الكرملين للمطالبة بوقف الحرب، بعدما قال إنه خسر ملايين الروبلات.
وتشير الصحيفة إلى أن الكرملين لم يعلن موقفا واضحا من الحملة، فيما تدرس الحكومة احتمال التدخل لدعم الشركة.
وبذلك، تبدو وايلدبيريز بالنسبة إلى كييف أكثر من مجرد هدف تجاري؛ فهي تجمع بين التجارة والقطاع المالي والمجهود الحربي، ما يجعل ضربها وسيلة لإيصال الحرب إلى الاقتصاد الروسي والمجتمع الذي يعتمد عليه، وإرسال رسالة إلى الكرملين ورجال الأعمال بأن تداعيات الحرب يمكن أن تصل إلى عمق روسيا.





