عندما بدأت إسرائيل حربها الأخيرة ضد حزب الله في مارس الماضي، لم تكن مستودعات الأسلحة أو مراكز القيادة تحت الأرض أول الأهداف التي حذّر الجيش الإسرائيلي من ضربها، بل كانت المؤسسات المالية.
فقد شنت المقاتلات الإسرائيلية غارات دمرت أكثر من 12 فرعا لمؤسسة "القرض الحسن"، التي تُتهم منذ سنوات بالعمل بمثابة الذراع المصرفية لحزب الله، قبل أن تمتد الضربات إلى محال صرافة قالت إسرائيل إن إيران تستخدمها لإيصال الأموال إلى الحزب، إضافة إلى محطات وقود تدر عليه عائدات.
وبحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، تعكس هذه الضربات تحولا في المواجهة فأموال حزب الله باتت هدفا إلى جانب ترسانته العسكرية، ضمن حملة غير مسبوقة تشارك فيها إسرائيل وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتضييق قنوات تمويل الحزب، ولا سيما تلك القادمة من إيران.
أشد أزمة مالية منذ سنوات
إلى ذلك كشفت الصحيفة، استنادا إلى وثائق ومقابلات مع مسؤولين لبنانيين وأميركيين وإسرائيليين ومصادر داخل حزب الله، أن الحزب يواجه حاليا واحدة من أشد الضغوط الاقتصادية التي تعرض لها منذ سنوات.
وأصبح تمويل شبكة الخدمات الاجتماعية الواسعة التي يعتمد عليها الحزب للحفاظ على قاعدته الشعبية أكثر صعوبة، في وقت يعطي فيه أولوية متزايدة للإنفاق العسكري بعد الخسائر التي ألحقتها به الهجمات الإسرائيلية.
بدوره قال المتحدث باسم الحزب يوسف الزين للصحيفة في مايو الماضي، إن الحزب أوقف دفع تعويضات كان قد وعد بها مؤيديه، في ظل محاولته تلبية احتياجات مئات الآلاف من النازحين بسبب الحرب.
وقبل الحرب، قدرت وزارة الخارجية الأميركية الدعم الإيراني لحزب الله بنحو 700 مليون دولار سنويا، وهو ما كان يشكل غالبية موازنة الحزب السنوية المقدرة بحوالي مليار دولار.
ووفقا لمسؤولين تحدثوا للصحيفة، زادت إيران دعمها المالي خلال العام الماضي، إلا أن الأموال لم تعد كافية لتغطية النفقات الضخمة المرتبطة بالحرب.
من سوريا إلى مطار بيروت
وبدأ الخناق المالي يشتد أواخر عام 2024، فسقوط نظام بشار الأسد في سوريا أدى إلى قطع أحد أهم طرق التهريب التي كانت تربط حزب الله بإيران، في وقت كان الحزب بحاجة فيه إلى الأموال لإعادة بناء قدراته.
وبحسب مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، بحثت طهران عن طرق بديلة، بينها مطار بيروت الدولي.
وأضافت الصحيفة أن مسؤولين أميركيين نقلوا إلى الحكومة اللبنانية تحذيرات إسرائيلية تفيد بأن إيران كانت ترسل حقائب محملة بالدولارات على متن رحلات مدنية إلى بيروت، وفي بعض الحالات بواسطة دبلوماسيين إيرانيين.
كما أدى ذلك إلى وقف الرحلات القادمة من إيران، إلى جانب تشديد الإجراءات الأمنية في المطار.

الحوالة.. الطريق البديل للأموال
في موازاة ذلك، ضغطت واشنطن باتجاه تشديد الرقابة على الاقتصاد النقدي اللبناني الذي تقول وزارة الخزانة الأميركية إن حزب الله استغله لغسل الأموال ونقل التمويل الإيراني.
وبعد زيادة التدقيق في شركات تحويل الأموال الكبرى، لجأ الحزب بصورة أكبر إلى شبكة أقل خضوعا للرقابة من محال الصرافة، أصبحت، وفق مصادر الصحيفة، قناة رئيسية لتمويله.
وتتحرك الأموال الإيرانية عبر دول أخرى باستخدام نظام "الحوالة"، الذي يسمح بنقل القيمة بين وسطاء من دون الحاجة إلى انتقال الأموال نفسها عبر الحدود.
وقالت وزارة الخزانة الأميركية، عند فرض عقوبات على صرافين لبنانيين في نوفمبر الماضي، إن إيران كانت قد حولت نحو مليار دولار إلى حزب الله خلال ذلك العام، معظمها عبر هذا النظام.

الذهب و"القرض الحسن"
ومع اشتداد الضغوط، لجأ حزب الله إلى وسائل أخرى للحصول على السيولة. وقالت وزارة الخزانة الأميركية في فبراير إن مسؤولين كبارا في "القرض الحسن" أسسوا سلسلة شركات لتجارة الذهب بهدف جمع الأموال، فيما أظهرت سجلات اطلعت عليها الصحيفة ارتفاع مبيعات الذهب خلال العام الماضي.
في الداخل اللبناني، مُنعت المصارف وشركات الوساطة من التعامل مع "القرض الحسن"، بينما تضغط إدارة ترامب حاليا على الحكومة اللبنانية لإغلاق المؤسسة بالكامل.
وتظهر آثار الأزمة أيضا على الأرض؛ فبينما لا تزال رواتب عشرات الآلاف من مقاتلي الحزب تُدفع إلى حد كبير، تقلصت بعض الخدمات الاجتماعية، وتوقفت بالكامل تعويضات بقيمة 12 إلى 14 ألف دولار كان الحزب قد وعد بدفعها للأسر التي دمرت منازلها.
ومع ذلك، أشارت "نيويورك تايمز" إلى أن حجم الضرر الحقيقي الذي ألحقته الحملة بالمنظومة المالية للحزب لا يزال غير واضح، خصوصا أن حزب الله وإيران أظهرا في السابق قدرة على التكيف والعثور على مسارات جديدة لإبقاء الأموال متدفقة.





