لم تعد تداعيات حرب إيران تقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة، بل امتدت إلى الممرات البحرية التي تعبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية.

ومع تصاعد التهديدات في مضيقي هرمز وباب المندب، اضطرت شركات الملاحة إلى إعادة رسم مسارات سفنها، في تحول بدأ ينعكس على مناطق أبعد مثل خليج عدن والمحيط الهندي.

فقد بدأت التحذيرات تتزايد من أن هذه المتغيرات قد تهيئ الظروف لعودة القرصنة الصومالية بعد أكثر من عقد من احتوائها.

وكشفت التطورات الأخيرة أن هناك سلسلة مترابطة تبدأ بالحرب في إيران، وتمر بقرصنة المضائق، وتنتهي بعودة القراصنة إلى السواحل الصومالية. فكلما أصبحت طرق الملاحة عبر هرمز وباب المندب أكثر خطورة، اضطرت السفن إلى البحث عن مسارات بديلة، وهو ما يزيد من حركة السفن في مناطق كانت قد خرجت من حسابات شركات الشحن لسنوات.

وسلطت صحيفة إل كونفيدينسيال الإسبانية الضوء على هذا التحول، معتبرة أن الحرب في إيران أحدثت تأثيرا متسلسلا في حركة التجارة البحرية، وأن تحويل مسارات السفن لتجنب مضيقي هرمز وباب المندب ساهم في توفير ظروف مواتية لعودة القراصنة الصوماليين إلى خليج عدن والمياه المحيطة بالصومال.

عندما تصبح المضائق سلاحا في الحرب

تكمن أهمية مضيقي هرمز وباب المندب في أن كليهما يمثل نقطة اختناق لا يمكن للتجارة البحرية العالمية تجاهلها بسهولة. ولذلك فإن استهداف السفن أو تهديدها أو منعها من المرور لا يعني مجرد وقوع حوادث أمنية منفصلة، وإنما يعني استخدام الجغرافيا البحرية نفسها كسلاح في الصراع.

وفي هرمز، سجلت المنظمة البحرية الدولية 46 هجوما على النقل البحري الدولي في المضيق والمنطقة المحيطة به منذ 28 فبراير 2026، أسفرت عن مقتل 14 بحارا، بحسب أحدث بياناتها.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

أما في البحر الأحمر وخليج عدن، فقد سجلت المنظمة خلال ثلاثة أشهر فقط 24 حادثة قرصنة أو سطو مسلح، بين محاولات وهجمات فعلية. وأدت هذه الهجمات إلى احتجاز 44 بحارا في المياه الصومالية على متن ثلاث سفن، بينها "إوريكا" التي تعرضت للاختطاف في وقت سابق من العام.

وهنا يظهر الفرق بين قرصنة المضائق المرتبطة بالحرب والصراع السياسي والعسكري وبين القرصنة الصومالية بوصفها نشاطا إجراميا هدفه الحصول على الفدية. لكن النتيجة الاستراتيجية متشابهة: تقويض حرية الملاحة وإجبار السفن على تغيير مساراتها. والأخطر أن النوع الأول من القرصنة يمكن أن يؤدي إلى توسع النوع الثاني.

من هرمز وباب المندب إلى الصومال

وفقا لصحيفة إل كونفيدينسيال، شهدت المياه قبالة القرن الأفريقي خلال الأشهر الأخيرة سلسلة من الحوادث التي تشير إلى عودة القراصنة. فقد تعرضت سفينة نفطية للقرصنة في خليج عدن، بعد أسابيع من اختطاف سفينة "إوريكا" قرب قندالة في منطقة بونتلاند الصومالية. كما سجلت المنطقة عمليات صعود إلى سفن ومحاولات هجوم أخرى.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتغير فيه خريطة الملاحة العالمية.

فالسفن التي لا تستطيع عبور مضيق هرمز بأمان، أو التي تتجنب باب المندب بسبب الهجمات، لا تتوقف عن نقل البضائع. إنها تبحث عن طريق آخر. وقد يعني ذلك استخدام مسارات أطول حول أفريقيا، أو زيادة الحركة في مناطق المحيط الهندي وخليج عدن.

كان تراجع القرصنة الصومالية أحد أبرز نجاحات التعاون الدولي في مجال الأمن البحري. ففي ذروة الأزمة خلال العقد الأول من القرن الحالي، تحولت سواحل الصومال إلى واحدة من أخطر المناطق البحرية في العالم، ودفعت عمليات اختطاف السفن وطلب الفديات شركات الشحن إلى تغيير مساراتها.

لكن انتشار القوات البحرية الدولية، والإجراءات الأمنية التي اعتمدتها شركات الملاحة، وتطوير قدرات السلطات الصومالية، ساهمت في احتواء الظاهرة. وأشارت المنظمة البحرية الدولية إلى أن التهديد لم يختف، بل إن التطورات الأخيرة تؤكد الحاجة إلى استمرار اليقظة والتنسيق الدولي.

القرصنة لم تختف.. كانت تنتظر فرصة

لم يعد القراصنة إلى البحر من الصفر. البنية الإجرامية التي أنشئت خلال سنوات ازدهار القرصنة بقيت موجودة، كما بقيت الخبرة في اختطاف السفن واحتجاز أطقمها وطلب الفديات. ما تغير هو البيئة المحيطة.

أعادت الحرب في إيران قرصنة الممرات البحرية، وأصبح عدد متزايد من السفن مضطرا إلى اتخاذ قرارات تتعلق بالسلامة لا بالكفاءة التجارية فقط. وبالتزامن، انشغلت القوى البحرية الدولية بعدة جبهات في وقت واحد، من الخليج والبحر الأحمر إلى المتوسط وأوروبا.

وحذرت المنظمة البحرية الدولية من أن التهديد آخذ في الاتساع. فقد ارتفع عدد حوادث القرصنة والسطو المسلح المسجلة عالميا بنسبة 17% بين 2024 و2025، من 146 إلى 171 حادثة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

اختبار جديد لأوروبا

تواجه أوروبا تحديا متزايدا في تأمين الممرات البحرية، بعدما أدت الحرب في إيران إلى تركيز جزء من القدرات البحرية الغربية في منطقتي هرمز وباب المندب، على حساب مناطق أخرى بينها السواحل الصومالية.

وتأتي هذه التطورات فيما تواصل عملية "أتلانتا" الأوروبية مكافحة القرصنة وحماية حركة الملاحة التجارية قبالة القرن الأفريقي، في وقت تتزايد فيه الضغوط على القوات البحرية الغربية لتأمين أكثر من ممر استراتيجي في آن واحد.

ومع تصاعد المخاطر في هرمز وباب المندب، قد تواجه القوات الدولية صعوبة في الحفاظ على المستوى نفسه من الانتشار قبالة الصومال، بالتزامن مع احتمال تغير مسارات السفن التجارية التي تتجنب مناطق التوتر.

وقد يؤدي تحويل حركة الملاحة إلى زيادة عدد السفن التي تمر عبر خليج عدن وبالقرب من السواحل الصومالية، ما يوفر للقراصنة أهدافا إضافية ويمنحهم فرصة لاستعادة نشاطهم.

ويحذر هذا السيناريو من تداعيات متسلسلة تبدأ باضطراب الملاحة في المضائق، ثم تغيير مسارات السفن، وصولا إلى ارتفاع مخاطر القرصنة وتكاليف التأمين والحماية، وهو ما قد يدفع شركات الشحن إلى إعادة رسم طرقها مرة أخرى.

وبذلك، لا تقتصر تداعيات الحرب في إيران على هرمز وباب المندب، بل تمتد إلى أمن الملاحة في خليج عدن والمحيط الهندي، في وقت تحاول فيه القوات الدولية منع عودة القرصنة الصومالية إلى مستوياتها السابقة.