في لحظة واحدة، انقلبت حياة لونا فرنانديز رأسا على عقب. لم يكن الخوف غريبا عنها، فقد عاشته مرات لا تحصى؛ تحت القصف في سوريا، وفي ظل ملاحقة الأجهزة الأمنية، وخلف هاجس السجن بعد عودتها إلى إسبانيا. لكن ما عاشته هذه المرة كان مختلفا تماما.
لم تكن النيران نيران حرب، بل ألسنة لهب تلتهم الغابات المحيطة بمنزلها في ضواحي مدريد، وتجبر السكان على الفرار. لونا، البالغة من العمر 49 عاما، والتي أمضت سنوات في مخيمات سوريا زوجة لأحد عناصر تنظيم داعش، ثم عادت إلى إسبانيا لتواجه اتهامات بالإرهاب وتقضي فترة في السجن، وجدت نفسها مضطرة إلى الهرب مرة أخرى.
غير أن التحدي هذه المرة لم يكن النجاة من النيران فحسب، بل التعامل مع قيود حياتها الجديدة. فبموجب شروط الإفراج المشروط، تضع لونا سوارا إلكترونيا في كاحلها يراقب تحركاتها، وكان عليها أن تبلغ السلطات فورا بأنها تغادر منزلها، حتى لا يُفسر فرارها من الحرائق على أنه خرق لشروط الإفراج، بحسب تقرير نشرته عنها صحيفة إل باييس الإسبانية.
من سوريا إلى إسبانيا.. رحلة العودة القسرية
في عام 2014، اتخذت لونا قرارا غيّر حياتها إلى الأبد. غادرت إسبانيا متوجهة إلى سوريا برفقة زوجها آنذاك، محمد أمين العبو، الذي كان عضوا في جماعة متطرفة انضوت تحت تنظيم داعش.
في شمال سوريا، وجدت نفسها تعيش سنوات طويلة داخل مخيمات احتجاز تديرها القوات الكردية. هناك، أصبح الحريق جزءا من الحياة اليومية. وتستعيد تلك المرحلة قائلة: "كان احتراق الخيام أمرا معتادا، سواء في مخيم الهول أو لاحقا في مخيم الروج"، في إشارة إلى المخيمين اللذين ضما آلاف النساء والأطفال المرتبطين بالتنظيم.
أمضت لونا نحو أربع سنوات في تلك المخيمات، قبل أن تعيدها السلطات الإسبانية إلى بلادها عام 2023، ضمن عملية لإعادة مواطنين إسبان من شمال شرق سوريا.
وشملت العملية امرأة إسبانية أخرى و13 طفلا كانتا تتوليان رعايتهم، بينهم تسعة من أطفال لونا.
غير أن العودة إلى الوطن لم تمثل نهاية محنتها، بل بداية فصل جديد منها. فبعد وصولها، أُدينت بتهمة الانتماء إلى منظمة إرهابية، وأمضت تسعة أشهر في سجن استريميرا، قبل أن تُنقل إلى نظام السجن المفتوح، مع إلزامها بارتداء سوار إلكتروني يراقب تحركاتها.
وتختصر لونا تجربتها بمرارة قائلة: "الحقيقة أن كل شيء سار بشكل سيء بالنسبة لي في إسبانيا".
النيران تعود لتطاردها.. ذكريات سوريا تعود
عندما اندلعت حرائق الغابات الهائلة في محيط مدريد، والتي وُصفت بأنها من بين أكبر الحرائق التي شهدتها إسبانيا، صدرت أوامر بإخلاء عشرات الآلاف من السكان.
وكانت لونا، إلى جانب والدتها مانويلا غراندي وستة من أطفالها، من بين الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم.
لكن بينما كان الجميع منشغلين بالنجاة من ألسنة اللهب، كان هاجس آخر يسيطر على لونا. فبموجب شروط الإفراج المشروط، لم يكن بإمكانها مغادرة مكان إقامتها من دون إبلاغ السلطات، بسبب السوار الإلكتروني المثبت في كاحلها.
تروي تلك اللحظات قائلة: "سألت نفسي: من الذي يجب أن أخبره بأنني أغادر القرية؟". إلا أن والدتها قطعت عليها دوامة القلق بعبارة حاسمة: "الأهم الآن أن نخرج في أسرع وقت ممكن".
في مركز الإيواء الذي خصصته السلطات للنازحين، لم تكن لونا تواجه الحرائق وحدها، بل كانت تواجه أيضا ذكرياتها. وتقول: "كنت خائفة جدا... شعرت وكأنني عدت إلى سوريا للحظات".
بالنسبة إلى لونا، لم يكن الخوف من النيران أمرا جديدا. فقد عاشت سنوات وهي ترى الحرائق تلتهم الخيام في مخيمي الهول والروج، حيث كانت الحياة معلقة بخيط رفيع.
لكن المفارقة القاسية أن المشهد ذاته الذي اعتقدت أنها تركته وراءها في شمال سوريا، عاد ليطاردها هذه المرة في قلب إسبانيا.
محاولة للنهوض من الرماد
تحاول لونا اليوم أن تبدأ حياة جديدة، رغم ثقل الماضي. تعمل بشكل متقطع في رعاية المسنين، وتدرس للحصول على مؤهل في الرعاية الاجتماعية والصحية، أملا في الحصول على وظيفة مستقرة في رعاية كبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة.
أما أطفالها، الذين كانوا تحت رعاية سلطات مدريد خلال فترة سجنها، فقد عادوا إلى مقاعد الدراسة، لكنهم لا يزالون ينتظرون استكمال إجراءات الحصول على بطاقات الهوية الوطنية.
وتقول لونا إن أصعب ما تواجهه ليس البحث عن عمل، بل الشعور بالعزلة.





