كشفت تقارير إعلامية متطابقة عن تحول غير مسبوق في الخطاب السياسي السوري تجاه إسرائيل، بعدما أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع أن دمشق تعمل، بمساعدة عدد من الدول، على التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل يمكن أن يشكل بوابة لمرحلة ثانية من المفاوضات تقود إلى سلام شامل، من دون التخلي عن المطالبة بالجولان المحتل.
وتشير تصريحات الشرع على أن دمشق لم تعد تنظر إلى العلاقة مع إسرائيل من زاوية الصراع العسكري فقط، بل من زاوية ترتيبات أمنية قد تعيد رسم المشهد الإقليمي.
ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه سوريا مرحلة إعادة تموضع سياسي بعد سنوات من الحرب، وسط انفتاح عربي وغربي حذر على الإدارة الجديدة، وتراجع نسبي للدور الإيراني، ورغبة أميركية في تثبيت الاستقرار على الحدود السورية الإسرائيلية.
من إدارة الصراع إلى إدارة الأمن
بحسب ما أوردته دير شبيغل، فإن دمشق تبحث مع إسرائيل، عبر وساطة عدد من الدول، التوصل إلى إطار أمني يضمن التزام الطرفين بمنع التصعيد، على أن يشكل نجاح هذا الإطار مدخلا إلى مرحلة ثانية تتناول سلاما شاملا، مع احتفاظ سوريا بحقها في الجولان المحتل.
ونقلت جيروزاليم بوست عن الشرع قوله إن الاتفاق الأمني "قد يكون بوابة لسلام شامل من دون المساس بحق سوريا في الجولان"، مضيفا أن بلاده "لا مصلحة لها في الدخول في أي صراع مع إسرائيل".
كما أكدت الصحيفة أن الأمم المتحدة لا تزال تعتبر الجولان جزءا من الأراضي السورية، وفق ما أعلنه الأمين العام أنطونيو غوتيريش خلال زيارته دمشق.
وفي السياق نفسه، ذكرت JNS أن الشرع ربط أي تقدم نحو السلام بنجاح التفاهمات الأمنية أولا، مشيرا إلى أن أي اتفاق مستقبلي لن يعني التنازل عن المطالبة بالجولان، كما أكد أن سوريا ستواصل سياسة عدم الانخراط في مواجهة عسكرية مع إسرائيل.
ويرى ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون الشرق الأدنى والباحث في معهد واشنطن، أن القيادة السورية الجديدة تدرك أن أولويتها تتمثل في تثبيت الدولة واستعادة الاقتصاد أكثر من خوض صراعات إقليمية. ويقول إن أي تفاهم أمني مع إسرائيل قد يفتح الباب أمام تخفيف الضغوط الدولية وجذب الاستثمارات وإعادة دمج سوريا في محيطها.
أما تشارلز ليستر، مدير برنامج سوريا في معهد الشرق الأوسط، فيعتبر أن دمشق تتبنى مقاربة مختلفة عن تلك التي حكمت العلاقة مع إسرائيل لعقود، تقوم على الفصل بين الملفات الأمنية والقضايا السياسية الكبرى، بهدف منع اندلاع حرب جديدة تعرقل جهود إعادة الإعمار.
الجولان.. الثابت الذي يحكم أي تفاهم
ورغم الانفتاح الواضح في الخطاب السوري، تؤكد جميع التصريحات الرسمية أن الجولان لا يزال يمثل الخط الأحمر في أي عملية تفاوض.
فبحسب جيروزاليم بوست، شدد أحمد الشرع على أن أي اتفاق أمني أو حتى سلام مستقبلي لن يكون على حساب المطالبة السورية بالجولان، وهو الموقف ذاته الذي أبرزته JNS في تغطيتها للمقابلة، مشيرة إلى أن دمشق ترى أن التفاهمات الأمنية تختلف عن التسوية النهائية للنزاع.
ويعزز هذا الموقف ما أعلنه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي أكد خلال زيارته دمشق أن المنظمة الدولية ما زالت تعتبر الجولان أرضا سورية محتلة، وهو ما يمنح الموقف السوري سندا قانونيا في أي مفاوضات مستقبلية.
ويقول جوشوا لانديس، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما، إن أي قيادة سورية، مهما كان توجهها السياسي، لا تستطيع التخلي عن الجولان، لأن القضية أصبحت جزءا من الشرعية الوطنية السورية، وأي تنازل عنها ستكون له كلفة سياسية كبيرة داخليا.
من جانبه، يرى مايكل هورويتز، رئيس قسم الاستخبارات في شركة لو بيك إنترناشونال، أن ما يجري حاليا لا يمثل مفاوضات سلام بالمعنى التقليدي، بل عملية "بناء ثقة" تبدأ بإجراءات أمنية ميدانية، قبل الانتقال، إذا توفرت الظروف، إلى ملفات أكثر تعقيدا مثل الحدود والترتيبات النهائية.
فرصة تاريخية أم هدنة مؤقتة؟
يرى عدد من مراكز الدراسات الغربية أن ما يجري بين دمشق وتل أبيب يعكس تغيرا في البيئة الإقليمية أكثر مما يعكس تغيرا في المواقف التاريخية للطرفين.
ويقول آرون ديفيد ميلر، الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إن الولايات المتحدة تنظر إلى القيادة السورية الجديدة باعتبارها فرصة لإعادة صياغة النظام الأمني في المشرق، عبر تقليص احتمالات المواجهة العسكرية بين سوريا وإسرائيل، وربط الاستقرار السوري بمشاريع إعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي.
أما آرون لوند، الباحث في مؤسسة سينشري إنترناشونال، فيرى أن دمشق تحاول التخلص من إرث "دولة المواجهة" الذي طبع السياسة السورية لعقود، واستبداله بسياسة تقوم على إدارة المخاطر الأمنية وتجنب الصدام المباشر، مع الحفاظ على الثوابت الوطنية.
وفي المقابل، تحذر مجموعة الأزمات الدولية من المبالغة في التفاؤل، معتبرة أن أي تفاهم أمني سيظل هشا ما لم يعالج قضايا أكثر تعقيدا، مثل مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، ووضع المنطقة العازلة، والضمانات الأمنية للطرفين.
كما يشير فراس مقصد، مدير شؤون الشرق الأوسط في مجموعة أوراسيا، إلى أن الاتفاق الأمني، إذا تحقق، لن يكون سوى بداية لمسار طويل من المفاوضات، لأن الملفات الجوهرية، وفي مقدمتها الجولان وترتيبات الحدود، لا تزال بعيدة عن أي تسوية نهائية.





