مع دخول المواجهة بين إيران والولايات المتحدة مرحلة المفاوضات حول وقف إطلاق النار، برز سؤال حول الجهة التي تملك القرار الحقيقي داخل النظام الإيراني: هل يقود الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي مسار التفاوض، أم أن الحرس الثوري والتيار المتشدد يحددان اتجاه التصعيد؟

وتتحدث مصادر دبلوماسية عن خلافات بين جناح براغماتي يسعى إلى تفاهم مع واشنطن لتخفيف الضغوط الاقتصادية، وتيار متشدد يرى أن تقديم تنازلات للولايات المتحدة يهدد أسس طهران.

لكن محللين يرون أن الصورة أكثر تعقيدا. فبينما توجد خلافات حول حجم التنازلات وشكل أي اتفاق، فإن مختلف أجنحة النظام تتفق على هدف أساسي هو الحفاظ على بقاء إيران بشكلها الحالي.

في هذا الشأن، قال علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، إن إظهار وجود انقسام داخلي قد يكون جزءا من التكتيك التفاوضي، مضيفا أن "الأمر مجرد ذريعة لإبقاء بعض قنوات التواصل مفتوحة، فمن الأسهل لعب دور الشرطي الطيب بدلا من الشرطي السيئ".

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

بزشكيان بين المرشد الغائب والحرس الثوري

قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إنه بدأ التواصل بشكل أكثر انتظاما مع المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، الذي غاب عن الظهور العلني منذ إصابته في الضربة التي أدت إلى مقتل والده علي خامنئي.

وأكد بزشكيان أنه يتلقى توجيهاته من المرشد الجديد، في محاولة لإظهار وحدة القرار داخل النظام، رغم الغموض المحيط بوضع القيادة العليا.

ويواجه الرئيس الإيراني انتقادات من المتشددين بسبب مشاركته في المفاوضات مع الولايات المتحدة، إذ يعتبر هؤلاء أن الحوار مع واشنطن بعد الحرب يمثل تنازلا في لحظة ضعف.

وبحسب صحيفة ذا تايمز البريطانية، أبلغ مفاوضون إيرانيون الوسطاء بوجود خلافات مع الحرس الثوري حول وقف إطلاق النار. وقال أحد المسؤولين المطلعين على المحادثات: "لو كان الأمر بيد عراقجي لما كانت هذه التطورات تحدث"، في إشارة إلى استمرار العمليات العسكرية رغم المفاوضات.

لكن محللين يشيرون إلى أن هذه الرسائل قد تكون أيضا وسيلة تفاوضية، إذ تسمح لطهران بتقديم المفاوضين باعتبارهم الطرف الأكثر استعدادا للتسوية، وتحميل مسؤولية التعطيل للمتشددين.

الحرس الثوري: الصراع قبل التنازل

يرى التيار المحافظ والمتشدد أن أي اتفاق مع الولايات المتحدة يجب ألا يمس قدرات إيران العسكرية أو نفوذها الإقليمي.

ويمثل الحرس الثوري مركز الثقل لهذا الاتجاه، إذ يعتبر أن الصراعات الأخيرة أثبتت حاجة إيران إلى الحفاظ على أدوات الردع، وليس تقديم تنازلات قد تضعف موقعها أمام واشنطن وإسرائيل.

وبحسب تحليل نشرته مجلة المجلة، فإن الخلاف داخل النخبة الإيرانية لا يتعلق برفض تخفيف الضغوط بشكل مطلق، بل بثمن التسوية وطريقة تقديمها. فحتى المحافظون يدركون صعوبة الوضع الاقتصادي، لكنهم يختلفون حول حجم التنازلات المقبولة.

ويعد سعيد جليلي، المفاوض النووي السابق، أحد أبرز رموز التيار المتشدد الرافض للتقارب مع الغرب. ويعتمد نفوذ هذا التيار على شبكاته داخل مؤسسات الدولة والإعلام أكثر من اعتماده على قاعدة شعبية واسعة، إذ يستطيع رفع تكلفة أي اتفاق عبر اتهام مؤيديه بالضعف أو التخلي عن مبادئ الثورة.

في المقابل، يمثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف جناحا أكثر براغماتية داخل المؤسسة المحافظة. فهو لا يدعو إلى تغيير طبيعة النظام، لكنه يرى أن إدارة الأزمة تحتاج إلى أدوات سياسية واقتصادية إلى جانب خطاب الحرب.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

خلاف على الوسيلة لا على الهدف

رغم الخلافات بين أجنحة السلطة الإيرانية، يرى محللون أن تصوير المشهد باعتباره صراعا بين دعاة الحرب ودعاة السلام تبسيط غير دقيق.

فبحسب المجلة، تتفق مختلف التيارات على أولوية واحدة: الحفاظ على بقاء إيران بنظام "الجمهورية الإسلامية"، أما الخلاف فيدور حول الطريقة الأفضل لتحقيق ذلك.

يرى التيار المتشدد أن الاحتفاظ بأوراق القوة، مثل النفوذ في مضيق هرمز، يمنح إيران قدرة أكبر على التفاوض مستقبلا. أما البراغماتيون فيرون أن استمرار المواجهة قد يؤدي إلى أزمة اقتصادية واجتماعية أعمق، وأن التفاهم مع واشنطن قد يمنح النظام فرصة لتخفيف الضغوط.

وقال فرزان ثابت، الخبير في الشؤون الإيرانية في معهد الدراسات العليا في جنيف، إن إيران لم تحصل على فرصة كافية لإعادة بناء قدراتها العسكرية والاقتصادية بعد وقف إطلاق النار السابق، وإن التيار المؤيد للتفاوض يعتقد أن طهران كان يمكن أن تستفيد أكثر من التفاهمات مع الولايات المتحدة.

كما أشار علي واعظ إلى أن تخفيف واشنطن بعض العقوبات على النفط الإيراني دون الإفراج عن أصول مالية مجمدة شكل انتكاسة للمفاوضين، لأنهم لم يحصلوا على مكاسب واضحة تبرر وقف التصعيد.

لا يدور الصراع داخل النخبة الإيرانية حول مستقبل إيران، بل حول أفضل وسيلة للحفاظ عليها. فعندما يرى النظام أن الحرب تخدم بقاءه فإنه يختار المواجهة، وعندما يرى أن التفاوض يخدم الهدف نفسه فإنه يفتح قنوات الحوار.