في أحد أكثر شوارع طهران حيوية، لم يعد الحديث يدور حول أسعار القهوة أو أماكن الجلوس المفضلة فقط، بل حول سؤال أوسع يتعلق بحدود تدخل الدولة في تفاصيل الحياة اليومية. فقد أغلقت السلطات الإيرانية عددا من المقاهي المعروفة في شارع سنانئي وسط العاصمة، في خطوة أثارت جدلا واسعا بين أصحاب هذه المشاريع وروادها، الذين اعتبر بعضهم أن الإجراءات تمثل حلقة جديدة في سلسلة القيود المفروضة على المجال العام، في وقت تواجه إيران ضغوطا اقتصادية وأمنية متزايدة.

ووفقا لما أوردته صحيفة إيران إنترناشيونال نقلا عن موقع امتداد الإيراني، شملت الإغلاقات مقاهي معروفة مثل "دوبار" و"1401" و"سام كافيه" و"جو كافيه" و"كافيه مان"، إضافة إلى تقارير عن إغلاق مقاه أخرى في شوارع مجاورة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

أسباب مختلفة.. وإجراء واحد

لم يكن هناك، بحسب التقارير، تفسير موحد لقرارات الإغلاق. فقد أُبلغ بعض أصحاب المقاهي بأنّ السبب يتعلق بقواعد الحجاب، فيما تلقى آخرون تبريرات مرتبطة بتقديم الطعام أو بوضع كراس على الأرصفة.

هذا التباين في الأسباب دفع عددا من أصحاب الأعمال وروّاد المقاهي إلى التشكيك في كون المخالفات المعلنة هي الدافع الحقيقي وراء الحملات، معتبرين أنّ تعدد الذرائع قد يعكس توجها أوسع لتنظيم هذه الأماكن أو الحدّ من نشاطها.

ونقل موقع امتداد عن حامد، وهو أحد أصحاب المقاهي المتضررة، قوله إنّ العاملين تلقوا تحذيرات قبل وصول فرق التفتيش. وأضاف أنّ أصحاب المشاريع الصغيرة يواجهون سلسلة من الضغوط، من تداعيات الحرب والظروف الاقتصادية إلى صعوبة الحفاظ على الوظائف ودفع تكاليف التشغيل.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

شارع سنانئي.. مساحة اجتماعية مختلفة

خلال السنوات الماضية، تحول شارع سنانئي في طهران إلى أحد الأماكن التي يقصدها الشباب بحثا عن مساحة اجتماعية أكثر انفتاحا داخل العاصمة.

ورغم أنّ المقاهي في المنطقة ليست منخفضة التكلفة، فإنّها بقيت وجهة للطلاب والشباب والعائلات. يجلس الزوار لساعات أمام كوب قهوة، ويتحول المكان إلى مساحة للنقاش حول الدراسة والعمل والهجرة والثقافة والسياسة.

وبعد فترة اتسمت بالتوترات السياسية، والانقطاعات المتكررة للكهرباء، ومشكلات الإنترنت، بدأت مظاهر الحياة اليومية تعود تدريجيا إلى بعض شوارع طهران. إلا أنّ الإغلاقات الأخيرة أعادت فتح النقاش حول حدود هذه المساحات في ظلّ الرقابة الاجتماعية المتزايدة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

هل أصبحت الحياة اليومية هدفا؟

يرى بعض سكان العاصمة أنّ حساسية هذه الإغلاقات لا ترتبط بالجوانب القانونية أو الإدارية فحسب، بل بتوقيت حدوثها أيضا.

ونقلت إيران إنترناشيونال عن ممرضة تدعى لادن قولها إنّ الإغلاق أعطاها انطباعا بأنّ الأماكن التي يلجأ إليها الناس لاستعادة جزء من حياتهم الطبيعية أصبحت بدورها عرضة للضغط.

ويقول منتقدون إنّ السلطات الإيرانية لا تستهدف الاحتجاجات السياسية فقط، بل تسعى أيضا إلى ضبط المساحات الاجتماعية غير الرسمية، حيث يمكن للشباب أن يجتمعوا ويتبادلوا الأفكار بعيدا عن المؤسسات الرسمية.

صراع قديم حول شكل المجتمع

منذ قيام النظام الإيراني عام 1979، شكّلت القضايا الاجتماعية، خصوصا قواعد اللباس والسلوك في الأماكن العامة، إحدى أبرز ساحات التوتر بين الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع الإيراني.

وخلال السنوات الأخيرة، برزت مظاهر تحدّ متزايدة لبعض القيود الاجتماعية، خصوصا في المدن الكبرى مثل طهران. وأصبحت المقاهي والمطاعم وبعض الفضاءات الثقافية أماكن تعكس تغيرا في أنماط الحياة لدى جيل شاب يسعى إلى مزيد من المساحات الشخصية والاجتماعية.

لكن تغير العادات الاجتماعية لم ينهِ قدرة الدولة على فرض القواعد. ويرى مراقبون أن إغلاق المقاهي يمثل تذكيرا بأنّ السلطات لا تزال تملك أدوات واسعة للتدخل في تفاصيل الحياة العامة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

بين إعادة الافتتاح ورسالة الإغلاق

قد تعود بعض هذه المقاهي إلى العمل لاحقا، لكن بالنسبة لأصحابها فإن القضية تتجاوز مجرد إعادة فتح الأبواب.

فالمقاهي في طهران أصبحت أكثر من مجرّد مشاريع تجارية، فهي جزء من المشهد الاجتماعي لمدينة يحاول سكانها الحفاظ على مظاهر الحياة اليومية وسط أزمات اقتصادية وسياسية متلاحقة.

وبينما تؤكد السلطات الإيرانية أن إجراءاتها تهدف إلى تطبيق القوانين، يرى منتقدون أن التضييق على هذه الأماكن يعكس صراعا أوسع حول طبيعة المجتمع وحدود الحرية الشخصية.