بعد سنوات طويلة اعتقد خلالها مسؤولون أمنيون وعسكريون في نظام بشار الأسد أنهم نجحوا في الإفلات من العقاب، بدأت المحاكم الأوروبية ترسم مسارا مختلفا للعدالة.

مع غياب محكمة دولية خاصة بسوريا وتعطل مجلس الأمن بفعل الفيتو الروسي والصيني، وجد الضحايا والناجون ومنظمات حقوق الإنسان طريقا بديلا يقوم على مبدأ "الولاية القضائية العالمية"، الذي يسمح بمحاكمة مرتكبي أخطر الجرائم أينما ارتكبت.

هذا المسار، الذي بدأ بهدوء قبل أكثر من عقد، تحول اليوم إلى أحد أبرز أدوات ملاحقة المسؤولين عن التعذيب وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت خلال النزاع السوري.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

أوروبا تتحول إلى ساحة للعدالة

في هذا السياق، ذكرت صحيفة إل باييس الاسبانية أنّ الحكم الصادر في يوليو بحق اللواء خالد الحلبي، أحد كبار مسؤولي جهاز الأمن السوري السابق، شكّل محطة جديدة في هذا المسار. أدانته محكمة نمساوية بالسجن ثماني سنوات بعد إدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ليصبح أعلى مسؤول سابق في النظام السوري تصدر بحقه إدانة في أوروبا حتى الآن.

وكان الحلبي قد غادر سوريا عام 2013 بعد أن قاد جهاز الأمن في مدينة الرقة، متنقلا بين فرنسا ثم النمسا، معتقدا أن الحرب أصبحت وراءه. لكن اعتقاله أواخر عام 2024 أكد أن مرور الزمن أو تغيير مكان الإقامة لم يعد كافيا للهروب من الملاحقة.

وتكشف بيانات القضايا المفتوحة أن أوروبا أصبحت المركز الرئيسي لهذه المحاكمات. فمن أصل نحو 70 قضية تستند إلى الولاية القضائية العالمية بشأن جرائم ارتكبت في سوريا، توجد 68 قضية في دول أوروبية، تتصدرها ألمانيا بأكثر من أربعين تحقيقا، تليها السويد وهولندا وفرنسا والنمسا، بينما لا تزال دول أخرى تحقق في ملفات محدودة.

ويرى خبراء القانون الدولي أن هذه التجارب أثبتت قدرة المحاكم الوطنية على سد جزء من الفراغ الذي تركه عجز المؤسسات الدولية عن التحرك.

ضحايا صنعوا العدالة بأيديهم

لم تبدأ هذه المحاكمات داخل أروقة الحكومات، بل انطلقت من جهود الناجين أنفسهم.

فبعد أن فشل المجتمع الدولي في إنشاء محكمة خاصة بسوريا، شرع نشطاء ومنظمات حقوقية ومحامون سوريون في جمع الأدلة وتهريب الوثائق الرسمية من مؤسسات النظام، إضافة إلى توثيق شهادات آلاف المعتقلين السابقين.

وكان "ملف قيصر" من أهم الأدلة التي استخدمت لاحقا، بعدما كشفت آلاف الصور التي وثقت جثث معتقلين قضوا تحت التعذيب داخل السجون السورية، مقدما دليلا ماديا على عمليات قتل وتعذيب ممنهجة.

كما أسهمت آليات أممية، مثل "الآلية الدولية المحايدة والمستقلة" التابعة للأمم المتحدة، في حفظ الأدلة وتنسيقها، إلى جانب تعاون واسع بين أجهزة الادعاء الأوروبية وهيئات مثل "يوروجست"، ما سمح بتبادل المعلومات والملفات بين الدول المختلفة.

ويرى خبراء أن هذا التعاون خلق ما يشبه "منظومة عدالة دولية موازية"، تتجاوز حدود المحكمة الجنائية الدولية، وتعتمد على تنسيق المحاكم الوطنية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

قضية رسلان.. نقطة التحول

تعد محاكمة العقيد السابق أنور رسلان في ألمانيا أهم محطة في هذا المسار.

فوجئ المحامي السوري أنور البني، الذي تعرض للاعتقال في سوريا بسبب دفاعه عن المعتقلين السياسيين، بعد وصوله إلى ألمانيا بأنه يعيش في مركز اللجوء نفسه الذي يقيم فيه رسلان، المسؤول السابق عن فرع الخطيب سيئ السمعة في دمشق، وفقاً لصحيفة إل باييس.

وبعد كشف هويته الحقيقية، بدأت محاكمته أمام محكمة كوبلنز، التي أصدرت عام 2022 حكما بالسجن المؤبد بحقه بعد إدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

وأكدت المحكمة أن آلاف المعتقلين تعرضوا للتعذيب الجسدي والنفسي داخل الفرع الأمني الذي كان يديره، فيما توفي عشرات منهم نتيجة سوء المعاملة والظروف اللاإنسانية.

وأصبحت هذه القضية أول حكم قضائي يثبت بصورة رسمية مسؤولية أحد كبار مسؤولي النظام السوري عن إدارة منظومة تعذيب ممنهجة، وهو ما اعتبره كثيرون سابقة تاريخية تشبه، من حيث الأثر القانوني، محاكمات نورمبرغ بعد الحرب العالمية الثانية.

اللاجئون ساعدوا في كشف الحقيقة

يرى متخصصون أن أحد أهم أسباب نجاح ألمانيا في هذه القضايا يعود إلى استقبالها مئات آلاف اللاجئين السوريين، ما وفر للمحققين إمكانية الوصول إلى الشهود والضحايا، بل وحتى إلى مسؤولين سابقين في أجهزة النظام.

كما استفادت النيابة الألمانية من تحقيقات هيكلية بدأت منذ عام 2011، جمعت خلالها الأدلة قبل تحديد أسماء المتهمين، وهو ما سهل بناء الملفات القضائية عندما بدأت تظهر الشخصيات المطلوبة داخل أوروبا.

ورغم هذه النجاحات، يؤكد خبراء أن تطبيق الولاية القضائية العالمية ما يزال متفاوتا بين الدول، إذ يتطلب تشريعات متخصصة ووحدات تحقيق ذات خبرة وموارد كبيرة.

ففي حين أصبحت ألمانيا وهولندا والسويد وفرنسا من أكثر الدول نشاطا في هذا المجال، تراجعت دول أخرى مثل إسبانيا عن الدور الذي لعبته سابقا في هذا النوع من القضايا.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

الطريق ما زال طويلا

ورغم الأحكام التي صدرت بحق عدد من المسؤولين الأمنيين والعسكريين، فإن كبار قادة النظام السوري ما زالوا خارج نطاق المحاسبة.

ويرى حقوقيون أن الولاية القضائية العالمية نجحت في كسر جزء من ثقافة الإفلات من العقاب، لكنها لا يمكن أن تكون بديلا دائما عن العدالة الدولية أو عن قضاء سوري مستقل قادر مستقبلا على محاكمة المسؤولين داخل البلاد.

ومع سقوط أجزاء واسعة من منظومة السلطة السابقة، وعودة بعض الناجين، وبدء الوصول إلى السجون الجماعية والمقابر والوثائق الرسمية، تبدو فرص كشف الحقيقة أكبر من أي وقت مضى.

أما الرسالة التي يرددها المحامي السوري أنور البني، الذي كرس سنوات حياته لملاحقة المسؤولين عن التعذيب، فتبقى الأكثر تعبيرا عن هذا المسار: قد تتأخر العدالة، لكنها لا تنسى، ولن يجد مرتكبو الجرائم مكانا آمنا يختبئون فيه إلى الأبد.