من يزور طهران هذه الأيام لا يحتاج إلى متابعة نشرات الأخبار حتى يدرك حجم التوتر الذي تعيشه البلاد. فوسط العاصمة، وعلى واجهات المباني وفي الساحات الرئيسية، تتصدر المشهد لوحات عملاقة تحمل رسائل سياسية صادمة، كان أحدثها صورة للرئيس الأميركي دونالد ترامب داخل نعش أسود، تعلوها باللغة الإنكليزية عبارة :"سنقتل دونالد ترامب".
هذه الرسالة ليست استثناء، بل جزء من حملة بصرية متواصلة تستخدمها طهران منذ سنوات، لكنها اكتسبت زخما أكبر مع تصاعد المواجهة العسكرية والسياسية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وبينما تستمر قنوات الاتصال غير المباشرة بين طهران وواشنطن، يبدو أن شوارع العاصمة الإيرانية تحولت إلى جبهة أخرى من جبهات الصراع.
نقلت صحيفة لو تان السويسرية عن الباحثة ليورا هندلمان-بافور، المتخصصة في الشأن الإيراني، أن هذه اللوحات لا تستهدف المواطن الإيراني بالدرجة الأولى، بقدر ما تخاطب العالم الخارجي. فالنظام يريد أن يبعث برسالة مفادها أن دخوله في أي حوار مع الولايات المتحدة لا يعني تراجعه عن خطاب المواجهة، ولا تخليه عن المبادئ التي قامت عليها الثورة.
المدينة تتحول إلى منصة إعلامية
لكن لهذه الرسائل وظيفة أخرى داخلية أيضا. ففي أروقة السلطة الإيرانية يدور منذ سنوات صراع بين تيار براغماتي يرى أن تخفيف التوتر مع الغرب أصبح ضرورة لإنقاذ الاقتصاد، وآخر متشدد يعتبر أن أي تنازل يمثل خروجا عن ثوابت الثورة.
وفي هذا السياق، تصبح هذه اللوحات بمثابة إعلان دائم بأن الكلمة الأخيرة لا تزال لخطاب "الحرب".
ولا يتعلق الأمر بالشعارات وحدها، بل بسرعة إنتاجها أيضا. فبعد أي تطور عسكري أو سياسي، تظهر خلال ساعات فقط لوحات جديدة في ميادين "ولي عصر" و"ساحة الثورة".
وكأن المدينة نفسها تحولت إلى صحيفة يومية عملاقة، تُكتب عناوينها على جدرانها بدلا من صفحات الجرائد.
وتدرك السلطات الإيرانية جيدا أن هذه الصور ستنتقل بسرعة إلى الشاشات العالمية. فبسبب القيود المفروضة على حركة الصحفيين الأجانب داخل إيران، تعتمد وكالات الأنباء الدولية غالبا على هذه اللوحات الضخمة لتغطية الأخبار القادمة من طهران.
وهكذا، تتحول الملصقات الحكومية إلى مادة بصرية تتناقلها وسائل الإعلام العالمية، فينجح النظام في إيصال رسائله إلى جمهور دولي من دون الحاجة إلى مؤتمرات صحفية أو حملات إعلامية تقليدية.
من يصنع الدعاية؟
وراء هذه الحملة تقف مؤسسات مرتبطة مباشرة بالدولة، أبرزها منظمة "أوج" الثقافية المدعومة من الحرس الثوري، إلى جانب بلدية طهران وأجهزة حكومية أخرى.
أما عملية الإنتاج نفسها، فتجمع بين فنانين يعتبرون عملهم جزءا من مشروع الثورة، ومصممين وتقنيين يعملون بدافع مهني واقتصادي، إذ توفر هذه المشاريع الحكومية ميزانيات كبيرة وفرص عمل نادرة في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد.
ومع اشتداد المواجهة الأخيرة، لم تعد اللوحات تعتمد فقط على الشعارات الدينية التقليدية، أو على صور القتلى واقتباسات المرشد الأعلى. فقد بدأ النظام يضيف إليها رموزا قومية فارسية وشخصيات تاريخية من "الشاهنامة"، الملحمة الأدبية الأشهر في التاريخ الإيراني.
ويبدو أن الرسالة الجديدة تقول إن المعركة لم تعد دفاعا عن السلطة الدينية فقط، بل عن إيران نفسها، في محاولة لاستمالة شرائح أوسع من المجتمع، حتى أولئك الذين لا يتبنون الخطاب الديني الرسمي.
معركة الصورة
لكن هذه الحرب البصرية لا تمر من دون مقاومة. فداخل إيران، ينتقد سياسيون إصلاحيون وخبراء اقتصاديون هذه الرسائل التصعيدية، معتبرين أنها تزيد عزلة البلاد في وقت يحتاج فيه الاقتصاد إلى الانفتاح لا إلى مزيد من المواجهة.
وخلال الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة، لم تكن اللافتات الحكومية بمنأى عن الغضب الشعبي، إذ تعرض عدد منها للحرق أو التشويه بشعارات مناهضة للنظام.
أما على منصات التواصل الاجتماعي، فقد وجد الإيرانيون أسلوبا مختلفا للمواجهة. فبدلا من الاكتفاء بانتقاد هذه الملصقات، أعادوا توظيف تصميماتها ولغتها الساخنة لنشر صور وإحصاءات عن التضخم والفساد والإدمان وانقطاع الكهرباء وأزمات المعيشة، في محاولة لتحويل أدوات الدعاية الرسمية إلى مرآة تعكس المشكلات الحقيقية التي يعيشها المواطنون.
وهكذا، لم تعد اللوحات العملاقة في طهران مجرد وسيلة دعائية، بل تحولت إلى ساحة صراع موازية، تتنافس فيها السلطة ومعارضوها على كسب معركة الرواية والصورة، في وقت باتت فيه الصورة أحيانا أكثر تأثيرا من البيانات والخطب السياسية.





