قبل سنوات قليلة، كانت التحذيرات من استخدام الجماعات الإرهابية للذكاء الاصطناعي تبدو أقرب إلى سيناريوهات مستقبلية، لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذه التكنولوجيا أصبحت بالفعل جزءا من أدوات التنظيمات المتطرفة.
تقول صحيفة دي تسايت الألمانية إن الذكاء الاصطناعي لم يعد يمثل تهديدا محتملا، بل تحول إلى وسيلة تستخدم في التخطيط للهجمات، وإنتاج الدعاية، وتجاوز الإجراءات الأمنية، بما يفرض تحديات متزايدة أمام أجهزة الأمن حول العالم.
وتستند الصحيفة إلى دراسة أجرتها جامعة كامبريدج اعتمدت على مقابلات مع قادة سابقين في جماعة بوكو حرام، كشفت أن عناصر التنظيم بدأوا يستخدمون برامج الذكاء الاصطناعي لتحليل المعلومات واتخاذ قرارات ميدانية.
وتضيف الدراسة أن ما يثير قلق الباحثين ليس فقط استخدام الجماعات المتطرفة للذكاء الاصطناعي حاليا، بل الحماس الكبير الذي تبديه تجاه هذه التكنولوجيا مع انفتاحها على استخدام أسلحة تحدث خسائر بشرية واسعة.
ونقلت عن أحد المشاركين في المقابلات قوله: "سيساعدنا أيضا الذكاء الاصطناعي"، في إشارة إلى القناعة المتزايدة داخل بعض التنظيمات بأن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تمنحها قدرات أكبر مع تطور هذه النماذج.
التكنولوجيا في خدمة التطرف
نقلت الدراسة عن أحد القادة السابقين قوله إن مقاتلين استعانوا بروبوتات الدردشة لمعرفة كيفية تعديل الدراجات النارية لتجاوز الخنادق الدفاعية المحيطة بإحدى القواعد العسكرية.
ولا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على التنظيمات المسلحة، إذ تشير دي تسايت إلى أن منفذي الهجمات الفردية باتوا يعتمدون أيضا على هذه التقنيات.
في عام 2025، استخدم فتى يبلغ 16 عاما أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في إعداد البيان الذي نشره قبل تنفيذه هجوما داخل مدرسة في فنلندا، بينما عثرت السلطات الفرنسية، بعد توقيف مواطن تونسي يشتبه في تخطيطه لهجوم إرهابي، على سجل بحث داخل أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي تضمن أسئلة حول كيفية تصنيع قنبلة.
ورغم أن منصات تجارية مثل تشات جي بي تي تفرض قيودا تمنع تقديم إرشادات تتعلق بصناعة الأسلحة أو تنفيذ الهجمات، تؤكد الصحيفة أن هذه القيود يمكن التحايل عليها، كما أن نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر لا تتضمن في كثير من الأحيان ضوابط أمنية مماثلة.
سباق أمني بلا نهاية
وتقول دي تسايت إن تقارير أمنية تفيد بأن تنظيمي القاعدة وداعش بدآ تنظيم ورش تدريبية لتعليم عناصرهما كيفية استغلال الذكاء الاصطناعي في التخطيط للهجمات، وإنتاج مقاطع "ديب فيك"، وتطوير حملات دعائية وأساليب تجنيد أكثر تأثيرا عبر الإنترنت.
وترى الصحيفة أن خطورة الذكاء الاصطناعي تكمن في إمكانية دمجه مع تقنيات أخرى مثل الطائرات المسيرة والطباعة ثلاثية الأبعاد، بما يسمح بتطوير أدوات أكثر تطورا.
وتضيف أن تاريخ الإرهاب يظهر سباقا مستمرا بين الجماعات المتطرفة وأجهزة الأمن، فكلما أغلقت ثغرة ظهرت أخرى.
وتشير الصحيفة إلى أن الخطر الحقيقي لا يتمثل في احتمال استخدام الإرهابيين للذكاء الاصطناعي مستقبلا، بل في أنهم يستخدمونه بالفعل، وهو ما يتطلب من الحكومات تطوير التشريعات، وتأهيل المحققين، ووضع استراتيجيات أمنية تواكب سرعة تطور هذه التكنولوجيا.





