على امتداد عقود، شكلت وزارة الخارجية الأميركية أحد أبرز أدوات النفوذ الأميركي في العالم. كان السفراء الأميركيون يمثلون الواجهة السياسية لواشنطن، ويقودون المفاوضات، ويبنون التحالفات، وينقلون رسائل البيت الأبيض إلى العواصم الأجنبية.
لكن هذا الدور يشهد تحولا غير مسبوق، وفق تحقيق موسع نشرته فايننشال تايمز، يرصد تراجع مكانة الخارجية الأميركية منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، مع تقلص عدد الدبلوماسيين المحترفين، واتساع عدد السفارات الشاغرة، وصعود قنوات شخصية موازية لإدارة السياسة الخارجية.
وتظهر هذه التحولات، بحسب دراسات أكاديمية وتقارير بحثية أخرى، أنها لا تعكس مجرد إصلاح إداري، بل تعبر عن تغير أعمق في طبيعة القيادة الأميركية ودورها في النظام الدولي.
دبلوماسية تتراجع
تقول فايننشال تايمز إن أكثر من نصف المناصب الدبلوماسية الأميركية على مستوى السفراء كانت شاغرة أو بانتظار التثبيت حتى يونيو 2026، بينما تفتقر نحو 80% من السفارات الأميركية في إفريقيا إلى سفير.
كما تراجع الاعتماد على الدبلوماسيين المهنيين بصورة غير مسبوقة، إذ لم يكن سوى تسعة من أصل 101 مرشح لمنصب سفير من أعضاء السلك الدبلوماسي، في حين فقدت وزارة الخارجية أكثر من 3000 موظف، أي ما يزيد على خمس قوتها العاملة منذ بداية الولاية الثانية لترامب.
ويرى السفير الأميركي السابق لدى الصين نيكولاس بيرنز، في تصريح نقلته الصحيفة، أن الخارجية الأميركية تمر بـ"أكثر أزمة تدميرا في تاريخ السلك الدبلوماسي الممتد لأكثر من قرن".
أما المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية ويليام بيرنز، فيعتبر أن الضرر الذي يلحق بالمؤسسة الدبلوماسية اليوم يتجاوز، في بعض جوانبه، ما شهدته الولايات المتحدة خلال حقبة "المكارثية"، بسبب خسارة الخبرات المؤسسية وتراجع قيمة المعرفة الإقليمية في صنع القرار.
وتعزز دراسة نشرتها Nordic Review of International Studies هذا التقييم، معتبرة أن تقليص المساعدات الخارجية، وإضعاف المؤسسات الدبلوماسية، والابتعاد عن العمل متعدد الأطراف، كلها عوامل أدت إلى تراجع القوة الناعمة الأميركية، وتقويض قدرة واشنطن على صياغة القواعد الدولية والاستجابة للأزمات العالمية، في وقت بدأت فيه قوى منافسة، مثل الصين ودول "بريكس"، توسيع حضورها الدولي.
الخارجية خارج القرار
ولا يقتصر التغيير، بحسب رويترز، على تقلص عدد الدبلوماسيين، بل يمتد إلى طريقة إدارة السياسة الخارجية نفسها. فبدلا من السفارات ووزارة الخارجية، باتت عواصم كثيرة تعتمد على شخصيات مقربة من ترامب للوصول إلى البيت الأبيض، مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بينما أصبحت السفارات الأميركية في كثير من الأحيان خارج دائرة القرار.
وتنقل الوكالة عن دبلوماسيين أوروبيين أن مسؤولين في الخارجية الأميركية لم يتمكنوا حتى من تفسير تصريحات لترامب هدد فيها إيران، وهو ما دفع حلفاء واشنطن إلى البحث عن قنوات اتصال بديلة لفهم توجهات الإدارة الأميركية.
وتحذر المؤرخة البريطانية مارغريت ماكميلان، التي استشهدت بها رويترز، من أن هذا النهج يقلص قدرة الولايات المتحدة على فهم العالم وبناء التفاهمات ومنع الحروب، لأن الدبلوماسية لا تقوم فقط على إصدار القرارات، بل على العلاقات المتراكمة والثقة والخبرة.
وفي السياق نفسه، يرى الباحث إليوت أبرامز في مجلس العلاقات الخارجية أن بقاء عشرات السفارات الأميركية من دون سفراء في ظل المنافسة مع الصين وروسيا وإيران يعد أمرا "خطيرا وغير مبرر"، لأنه يضعف قدرة واشنطن على جمع المعلومات والتفاوض والتأثير في الدول المضيفة.
تراجع النفوذ العالمي
ويربط عدد من الباحثين بين تراجع الدبلوماسية الأميركية والتحولات الأوسع التي يشهدها النظام الدولي.
تشير دراسة صادرة عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي إلى أن عصر الهيمنة الأميركية المطلقة انتهى، وأن الولايات المتحدة تواجه اليوم عالما أكثر تعددية، بعد إرهاق استراتيجي خلفته حروب العراق وأفغانستان، وصعود الصين، وعودة روسيا لاعبا رئيسيا، وهو ما يفرض إعادة صياغة دور واشنطن الخارجي بما يتناسب مع موازين القوى الجديدة.
ويذهب الباحث ثانت مينت يو، في مجلة فورين أفيرز، إلى أن الأزمة لا تقتصر على الولايات المتحدة وحدها، بل تمتد إلى النظام الدولي بأكمله، إذ أصبحت الدبلوماسية أكثر ضعفا في التعامل مع أزمات أوكرانيا وغزة والسودان وإيران، بينما تراجعت قدرة الأمم المتحدة على أداء دورها التقليدي في منع النزاعات.
ويرى أن تراجع القيادة الدولية، وفي مقدمتها القيادة الأميركية، ساهم في إضعاف النظام الذي حافظ على قدر من الاستقرار العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.





