حين جلس ليونارد غلين فرانسيس، المعروف بلقب "فات ليونارد"، في قاعة الزيارات داخل سجن فيدرالي بكاليفورنيا، لم يكن يتحدث كرجل مهزوم. كان يبتسم وهو يستعيد تفاصيل واحدة من أكثر قصص الفساد والاحتيال إثارة في تاريخ الجيش الأميركي، ثم يروي لصحيفة واشنطن بوست كيف تمكن لاحقا من الهروب من الإقامة الجبرية، قبل أن يعود اليوم ليطالب بعفو رئاسي.

ليست قصة الرجل الماليزي مجرد قضية فساد مالي، بل حكاية امتدت لأكثر من عقدين، كشفت هشاشة واحدة من أقوى المؤسسات العسكرية في العالم، وأظهرت كيف يمكن للنفوذ والمال والهدايا أن تفتح أبوابا يفترض أنها مغلقة بإحكام.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

بداية الإمبراطورية

بحسب دراسة للأكاديمية البحرية الأميركية، بدأ فرانسيس نشاطه من سنغافورة عبر شركته Glenn Defense Marine Asia، التي حصلت على عقود لتقديم خدمات لوجستية لسفن الأسطول الأميركي في الموانئ الآسيوية، مثل التزود بالوقود، والرسو، ونقل المعدات والتخلص من النفايات. لكن تلك العقود تحولت تدريجيا إلى بوابة لواحدة من أكبر عمليات الاحتيال في تاريخ البحرية الأميركية.

بحسب التحقيقات، لم يكتف بتضخيم الفواتير وابتكار شركات وهمية لتبرير الأسعار، بل تقاضى أموالا مقابل خدمات لم تقدم أصلا، ما أدى إلى خسائر تجاوزت 35 مليون دولار للخزانة الأميركية.

شراء الولاءات

وتوضح واشنطن بوست أن فرانسيس لم يعتمد على الرشاوى التقليدية فقط، بل بنى شبكة واسعة من العلاقات الشخصية مع ضباط البحرية الأميركية، مستخدمًا الشمبانيا الفاخرة، والسيجار الكوبي، والإقامة في فنادق خمس نجوم، والحفلات الخاصة، إضافة إلى خدمات جنسية مدفوعة، مقابل الحصول على معلومات سرية أو توجيه السفن الأميركية نحو الموانئ التي تعمل فيها شركته.

أما دراسة الأكاديمية البحرية الأميركية، فترى أن القضية أصبحت نموذجًا كلاسيكيا لكيفية تطور الرشوة داخل المؤسسات، إذ تبدأ غالبًا بهدايا ومجاملات صغيرة، قبل أن تتحول إلى علاقات تجعل المسؤول يشعر بضرورة رد الجميل، حتى لو كان ذلك على حساب المصلحة العامة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وفي حديثه إلى واشنطن بوست، قال فرانسيس إن ما كان يحدث لم يكن خفيا على أحد داخل المؤسسة العسكرية، مضيفا: "كنت أفعل ما كانت البحرية تريدني أن أفعله... الجميع كان يعرف ما يجري".

فضيحة غير مسبوقة

مع توسع التحقيقات، تبين أن القضية تجاوزت مجرد فساد فردي. أكثر من 90 أميرالا خضعوا للتحقيق أو للاستجواب بشأن علاقاتهم بفرانسيس، فيما أقر أكثر من 20 شخصا بارتكاب جرائم فيدرالية، وأدين أول أميرال في تاريخ البحرية الأميركية بجناية مرتبطة بالقضية، بينما أُبعد عشرات الضباط من مناصبهم بسبب مخالفات أخلاقية مرتبطة بها.

ويرى الباحث في الأكاديمية البحرية الأميركية ماركوس هيدال أن القضية قدمت نموذجا واضحا لكيفية عمل الرشوة الحديثة، إذ تبدأ غالبا بهدايا صغيرة وعلاقات شخصية قبل أن تتحول إلى فساد مؤسسي كامل.

من شاهد إلى متهم

بعد اعتقاله عام 2013، أقر فرانسيس بالذنب، لكنه تحول أيضا إلى أهم شاهد للحكومة الأميركية، إذ سلّم المحققين آلاف الوثائق والصور ورسائل البريد الإلكتروني التي كشفت تورط عدد كبير من الضباط.

لاحقا، اعتبرت وزارة العدل أنه قدم "كمية هائلة" من المساعدة للتحقيق، إلا أن القضية تعرضت لانتكاسة بعدما قضت محكمة بوجود مخالفات جسيمة ارتكبها الادعاء بإخفاء أدلة عن بعض المتهمين، ما أدى إلى إسقاط عدد من التهم أو تخفيفها بحق ضباط كانوا قد اعترفوا بالحصول على رشى.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

ويستند فرانسيس اليوم إلى هذه التطورات في مطالبته بالعفو الرئاسي، معتبرا أنه أصبح الشخص الوحيد تقريبا الذي ما زال يدفع الثمن الكامل للقضية.

الهروب الذي أحرج واشنطن

لكن الفصل الأكثر غرابة جاء عام 2022 عندما كان فرانسيس يقضي إقامة جبرية داخل قصر فاخر في سان دييغو بسبب إصابته بسرطان الكلى، وتحت مراقبة إلكترونية وحراسة خاصة، بانتظار صدور الحكم النهائي بحقه. إلا أنه استغل غياب أحد الحراس، وقص السوار الإلكتروني من قدمه، واستقل سيارة أوبر إلى الحدود المكسيكية، ومنها عبر إلى تيخوانا حيث كانت طائرة خاصة بانتظاره.

وقبل مغادرته المنزل، ترك تمثالا للمغني إلفيس بريسلي مرتديا قبعة حارس الأمن، في رسالة ساخرة للمحققين الذين اكتشفوا اختفاءه بعد ساعات. وقال لاحقا: "لم يكن الأمر علم صواريخ... كان هناك الكثير من الإهمال من جانب الحكومة".

رحلة الهروب

انطلقت الطائرة الخاصة إلى كوبا، ومنها حاول السفر إلى فنزويلا، مستفيدا من جواز سفر ماليزي جديد حصل عليه رغم خضوعه للمراقبة القضائية، بحسب صحيفة إندبندنت.

ورغم ظهور تنبيه من الإنتربول عند فحص جواز سفره في كل من كوبا وفنزويلا، فإنه تمكن من دخول البلدين، قبل أن تستقر به الحال في كاراكاس، حيث حاول الحصول على حماية من السلطات الروسية والفنزويلية. وفي نهاية المطاف، اعتُقل في فنزويلا، ثم أُعيد إلى الولايات المتحدة ضمن صفقة تبادل سجناء بين واشنطن وكاراكاس أواخر عام 2023.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

اليوم... طلب عفو

في نوفمبر 2024، صدر الحكم بسجنه 15 عاما مع إلزامه بدفع 20 مليون دولار كتعويضات، إضافة إلى مصادرة 35 مليون دولار. ومن المقرر أن يظل خلف القضبان حتى عام 2030، إلا إذا حصل على عفو رئاسي.

ويقول فرانسيس إن إصابته بسرطان الكلى في مرحلته الرابعة تجعله يخشى ألا يبقى على قيد الحياة حتى موعد الإفراج عنه، لذلك يعمل محاموه على تقديم طلب للرئيس الأميركي دونالد ترامب لتخفيف العقوبة أو إصدار عفو بحقه.

وحتى الآن، تؤكد الإدارة الأميركية أنها لا تتابع هذا الطلب، مشيرة إلى أن القرار النهائي يبقى بيد الرئيس.