في باريس، أصدرت محكمة الاستئناف في ٧ يوليو حكمها في قضية استخدام مخصصات البرلمان الأوروبي، مؤكدة إدانة مارين لوبان التي شغلت الرأي العام الفرنسي لسنوات، لكنها عدّلت العقوبات بطريقة أعادت إليها حقوقها السياسية، بما فيها حق الترشح للانتخابات الرئاسية عام ٢٠٢٧، بعدما كانت الإدانة قد فتحت نقاشًا واسعًا حول أهليتها السياسية.
وجاء الحكم ليكرّس قرار محكمة الدرجة الأولى الصادر في مارس من العام الفائت، مع تعديل أساسي في العقوبة التكميلية المرتبطة بتولّي المناصب العامة.
عقوبة لا تقطع طريق ٢٠٢٧
قضت محكمة الاستئناف بحبس لوبان ٣ سنوات، بينها سنتان مع وقف التنفيذ، على أن تُنفّذ السنة المتبقية على شكل إقامة جبرية مع سوار إلكتروني.
كما فرضت المحكمة عقوبة إضافية بمنع تولّي المناصب العامة لمدة ٤٥ شهرًا، لكنها أوقفت تنفيذ ٣٠ شهرًا منها، واعتبرت الأشهر الـ١٥ المتبقية مقضية خلال فترة الاستئناف، ما جعل هذه العقوبة غير نافذة حاليًا، وفتح الباب أمام لوبان لاستعادة كامل حقوقها السياسية.
هل من موانع قانونية لترشح لوبان؟
يستند هذا النوع من العقوبات إلى المادة مئة وواحد وثلاثين – ستة وعشرين من قانون العقوبات الفرنسي، التي تنص على أنّ منع الحقوق المدنية والسياسية، بما في ذلك حق الترشح، لا يُفرض تلقائيًا، بل يجب أن يُذكر صراحة في الحكم وأن يكون معلّلًا، وأنّ مدته لا تتجاوز ١٠ سنوات في حالة الإدانة بجناية و٥ سنوات في حال الحكم بجنحة.
وقد أكدت محكمة الاستئناف الفرنسية في قرارها أنّ العقوبة التكميلية يجب أن تُفهم في سياق حماية حرية اختيار الناخبين، وهي الحرية التي تُعدّ شرطًا أساسيًا لممارسة الاقتراع الديمقراطي، وهو ما يفسّر تقليص مدة عدم الأهلية.
القضاء يعاقب لوبان.. ويترك قرار الإقصاء للناخبين
صحيفة الغارديان أشارت إلى أنّ القضية تتعلق باستخدام أموال مخصصة لمساعدي البرلمان الأوروبي، في تمويل موظفين يعملون لصالح حزب مارين لوبان داخل فرنسا، وأنّ التحقيق شمل ٢٣ شخصًا من نواب سابقين ومساعدين ومحاسبين، إضافة إلى الحزب نفسه.
الصحيفة نقلت عن الحكم الابتدائي أنّ مارين لوبان لعبت "دورًا مركزيًا" في تنظيم هذا النظام الذي سمح للحزب بتوفير مبالغ كبيرة من خلال تحويل مخصصات البرلمان الأوروبي إلى وظائف حزبية.
كما تناولت صحيفة ذي كونفرسيشن التحليل القانوني للحكم، ونقلت عن الباحث القانوني لوك روبان قوله إنّ القضاء الفرنسي سعى في هذا الحكم إلى الفصل بين المجال القانوني والمجال السياسي، بحيث عاقب الفعل الجرمي من جهة، وترك للناخبين حرية الاختيار من جهة أخرى، معتبرًا أنّ المحكمة راعت مبدأ حرية الاقتراع، وهو ما يفسّر عدم فرض عقوبة عدم أهلية طويلة الأمد تمنع مارين لوبان من الترشح للرئاسة.
وقد تناولت وسائل إعلام أخرى، مثل يورونيوز، جانبًا مهمًا من القضية، وهو لجوء مارين لوبان إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان للطعن في تطبيق عقوبة عدم الأهلية، معتبرة أنّ التطبيق الفوري للعقوبة يمسّ حقوقها السياسية الأساسية، وأنّ منعها من الترشح للرئاسة يشكّل مساسًا بمبدأ افتراض البراءة، وهو ما دفعها إلى طلب مراجعة قانونية أوروبية للحكم الصادر بحقها.
وتظهر قراءة هذه المصادر مجتمعة أنّ القضاء الفرنسي، رغم تشديده على حماية المال العام، لم يسعَ إلى إقصاء مارين لوبان من الحياة السياسية، بل اكتفى بفرض عقوبة محدودة المدة، وترك للناخبين الكلمة الفصل في تقرير مستقبلها السياسي. كما أنّ الطعن الذي أعلنت مارين لوبان تقديمه أمام محكمة النقض لا يؤثّر على أهلية الترشح، لأنّ الطعن لا يوقف الإدانة ولا يعيد فرض عقوبة عدم الأهلية، إلّا إذا صدر حكم جديد يقرر ذلك صراحة.
لوبان وترامب.. تشابه قانوني أم سياسي؟
عند مقارنة وضع مارين لوبان القانوني بوضع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قبل انتخابه الأخير، يتبيّن أنّ أوجه التشابه بين الحالين سياسي أكثر منه قانوني. فقد واجه ترامب ملاحقات وأحكاما في قضايا مالية ومدنية، إضافة إلى قضايا جزائية، غير أنّ الدستور الأميركي لا يتضمن أي نصّ يمنع المدان أو المحكوم أو حتى السجين من الترشح لمنصب الرئاسة، إذ يكتفي بـ٣ شروط فقط: أن يكون المرشح مواطنًا مولودًا في الولايات المتحدة، وأن يكون عمره ٣٥ عامًا على الأقلّ، وأن يكون مقيمًا في الولايات المتحدة لمدة ١٤ عامًا. وقد أكدت المحكمة العليا الأميركية في أحكام سابقة أنّ الكونغرس لا يملك سلطة إضافة شروط جديدة على شروط الدستور، وهو ما جعل وضع ترامب القانوني واضحًا من حيث أهلية الترشح، رغم تعدد القضايا التي واجهها.
أما في فرنسا، فإنّ الإدانة قد تمنع الترشح إذا تضمّن الحكم عقوبة عدم الأهلية المنصوص عليها في المادة مئة وواحد وثلاثين – ستة وعشرين، وهي عقوبة تكميلية يقررها القاضي بحسب خطورة الفعل الجرمي.
وفي قضية مارين لوبان، فإنّ العقوبة التكميلية لم تعد نافذة بعدما اعتُبرت مقضية، وهو ما جعل وضعها القانوني مشابهًا لوضع ترامب من حيث إمكان الترشح، رغم اختلاف النظامين القانونيين جذريًا.
ويُظهر هذا الاختلاف أنّ وجه التشابه بين الوضعين هو سياسي في المقام الأول، إذ استخدم كل منهما خطاب "الاستهداف السياسي"، بينما يظل الإطار القانوني مختلفًا تمامًا بين البلدين.
بذلك، يتبيّن أنّ الوضع القانوني لمارين لوبان بعد الحكم الأخير واضح من الناحية القانونية، إذ لا يوجد أي مانع يحظر ترشحها للانتخابات الرئاسية المقبلة، ما يجعل استمرارها في السباق الانتخابي ممارسة قانونية سليمة، وإن كانت محاطة بنقاش سياسي واسع حول الأبعاد الأخلاقية للأحكام الجزائية الصادرة بحقها وتأثيرها على الثقة العامة.
ويبدو أنّ القضاء الفرنسي، من خلال هذا القرار الاستئنافي، حافظ على توازن دقيق بين حماية المال العام من جهة، وصون الحقوق السياسية من جهة أخرى، تاركًا للناخبين الكلمة الفصل في تقرير مستقبل الحياة السياسية الفرنسية، تمامًا كما ترك النظام الأميركي للناخبين تقرير مستقبل ترامب رغم تعدد القضايا التي واجهها.





