حملت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت دلالات سياسية تجاوزت الطابع البروتوكولي، إذ جاءت في مرحلة إقليمية حساسة أعقبت توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، وفي ظل تصاعد الحديث عن مستقبل سلاح حزب الله والعلاقات اللبنانية السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد.

ورأت مصادر سياسية ومراقبون أن الزيارة مثلت أول اختبار عملي لسياسة دمشق الجديدة تجاه لبنان، ورسالة تؤكد الانتقال من مرحلة الوصاية إلى مرحلة العلاقات بين الدول، مع التركيز على التعاون الأمني والاقتصادي واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

صفحة جديدة تقوم على السيادة والتنسيق

ركزت الزيارة على إعادة صياغة العلاقة بين دمشق وبيروت وفق قواعد مختلفة عن المرحلة السابقة.

بحسب مصادر دبلوماسية نقلتها صحيفة الوطن السورية، فإن الشيباني حمل رؤية سورية تؤكد الالتزام الكامل باتفاق الطائف، واحترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه، مع دعم جهود الدولة اللبنانية في حصر السلاح بيدها عبر مسار سياسي توافقي وليس من خلال المواجهة.

كما أكدت المصادر أن دمشق مستعدة لتنسيق المواقف مع بيروت في القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها مواجهة الضغوط الإسرائيلية والسعي إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية والسورية المحتلة.

ورأى الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان، في تصريح لاندبندنت عربية، أن العلاقات السورية اللبنانية دخلت مرحلة أكثر مرونة، بعدما انتقلت الاتصالات من المستوى الأمني والفني إلى المستوى السياسي والاقتصادي، معتبرا أن التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب يمكن أن يشكلا قاعدة لإطلاق شراكات اقتصادية أوسع بين البلدين في المرحلة المقبلة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

طمأنة الداخل اللبناني واحتواء ملف حزب الله

اكتسبت الزيارة أهمية خاصة لأنها جاءت بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب أوحت بإمكان إسناد دور إلى دمشق في معالجة ملف حزب الله، وهو ما أثار مخاوف داخل لبنان من عودة الوصاية السورية. لذلك حمل الشيباني، وفق الوطن السورية والنهار، رسائل واضحة تؤكد أن سوريا الجديدة لا تسعى إلى التدخل في الشؤون اللبنانية، بل تدعم استقرار لبنان والحوار بين مكوناته، وأن أي معالجة للملفات الخلافية يجب أن تتم عبر المؤسسات اللبنانية.

وفي هذا السياق، لفتت القدس العربي إلى أن لقاء الشيباني مع رئيس مجلس النواب نبيه بري كان يحمل رمزية خاصة، كونه أول تواصل مباشر مع ممثل المكون الشيعي بعد المرحلة الانتقالية في سوريا. كما أعلن الشيباني انفتاح دمشق على لقاء ممثلين عن حزب الله إذا اقتضت المصلحة اللبنانية والسورية ذلك، مؤكدا أن هدف سوريا هو تعزيز العلاقات الثنائية وليس الانحياز لأي طرف داخلي.

بري: التنسيق مع سوريا ضرورة استراتيجية

قدم رئيس مجلس النواب نبيه بري القراءة الأكثر وضوحا لأهمية الزيارة، معتبرا في حديثه إلى المدن أن اللقاء مع الشيباني أسس لمسار جديد من العلاقات يقوم على الاحترام المتبادل والتعاون والتنسيق بين الدولتين.

وأكد أن لبنان لا يملك خيارا استراتيجيا سوى التنسيق مع سوريا، قائلا: "إما أن نسبح جميعنا أو ننسق مع بعضنا البعض"، في إشارة إلى أن سوريا تمثل العمق الطبيعي للبنان بحكم الجغرافيا والمصالح المشتركة.

وأضاف بري أن النقاش تناول ضبط الحدود، ومنع التهريب، وتعزيز التعاون الاقتصادي، فضلا عن مواجهة التهديدات الإسرائيلية التي تستهدف جنوب لبنان وجنوب سوريا على حد سواء.

كما أشار إلى أنّه لم يلمس أي موقف عدائي من الشيباني تجاه حزب الله، بل وجد استعدادا سوريا للتواصل مع مختلف القوى اللبنانية إذا اقتضت مصلحة البلدين ذلك، مع التأكيد أن دمشق لا ترغب في العودة إلى التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، بل تسعى إلى بناء علاقة دولة مع دولة قائمة على احترام السيادة والمصالح المشتركة.