لم يعد الخلاف في مضيق هرمز يقتصر على أمن الملاحة أو احتمالات إغلاق الممر البحري الأهم لتجارة النفط العالمية، بل امتد إلى سؤال أكثر تعقيدا: من يملك حق تنظيم العبور فيه؟

في أعقاب المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة، برزت ثلاثة مسارات بحرية متنافسة، لكل منها رؤية مختلفة لإدارة المضيق، بينما تحاول سلطنة عمان والمجتمع الدولي منع تحول أحد أكثر الممرات الاستراتيجية في العالم إلى منطقة نفوذ أحادي.

وفق صحيفة ليزيكو الفرنسية، أصبحت أزمة هرمز اليوم صراعا على قواعد الملاحة بقدر ما هي صراع على الأمن البحري.

ثلاثة ممرات.. وثلاث رؤى

تشير صحيفة ليزيكو إلى أن مضيق هرمز، الذي ظل لعقود يعتمد الممر البحري الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1968، يشهد اليوم وجود ثلاثة مسارات مختلفة.

إلى جانب الطريق التقليدي، أنشأت إيران ممرا ملاصقا لسواحلها شمال جزيرة لارك، بينما برز مسار ثالث بمحاذاة السواحل العمانية أصبح يحظى بإقبال متزايد من شركات الملاحة.

وجاء هذا التحول بعد أن أغلقت طهران الممر التقليدي عقب التصعيد العسكري، وسط مخاوف من زرع ألغام بحرية فيه، ما دفع السفن إلى البحث عن بدائل أكثر أمانا.

وتوضح الصحيفة أن خريطة الملاحة، التي أوردتها في التقرير، تعكس بوضوح انتقال جزء كبير من حركة السفن نحو الطريق العماني، بعدما أصبح المرور عبر المسار التقليدي محفوفا بالمخاطر.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

إيران تسعى إلى فرض قواعدها

بحسب ليزيكو، لا تكتفي إيران باقتراح ممر بديل، بل تعمل على تكريس دورها كجهة وحيدة تشرف على العبور.

ولهذا الغرض أنشأت هيئة مضيق الخليج، وأطلقت موقعا إلكترونيا ونظاما إلزاميا للتأمين البحري على السفن التي تستخدم المسار الإيراني.

وترى الصحيفة أن هذا النظام قد يكون مقدمة لفرض رسوم عبور أو مقابل خدمات بحرية، وهو ما ينسجم مع تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي أكد أن "الطريق الرسمي الوحيد هو الطريق الإيراني".

كما يطالب المسؤولون الإيرانيون بأن تكون إدارة المضيق جزءا من السيادة الإيرانية، وهو طرح يواجه رفضا من عدد من الدول المطلة على الخليج ومن القوى البحرية الدولية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

عمان والمجتمع الدولي يبحثان عن حل مشترك

في المقابل، برزت سلطنة عمان كطرف يسعى إلى الحفاظ على حياد المضيق. وتقول ليزيكو إن الطريق البحري المحاذي للسواحل العمانية، الذي جرى اختباره بداية بشكل سري، أصبح الخيار المفضل لغالبية السفن بعد أن اعتبرته المنظمة البحرية الدولية ممرا آمنا.

وأكد الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية أرسينيو دومينغيز أن "أغلبية السفن" باتت تفضله على الطريق الإيراني.

وفي الإطار نفسه، تعارض سلطنة عمان فرض رسوم عبور أحادية، لكنها لا تستبعد مناقشة مساهمات مالية مرتبطة بخدمات بحرية حقيقية تستفيد منها جميع دول الخليج ضمن منظومة أمنية مشتركة.

وفي الوقت نفسه، رفضت طهران مقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتشكيل مهمة دولية، تضم فرنسا وبريطانيا، للمشاركة في إزالة الألغام من المضيق، معتبرة أن مذكرة التفاهم الموقعة مع الولايات المتحدة تنص على أن إزالة الألغام مسؤولية إيرانية حصرية.

وجاء هذا التباين بالتزامن مع تعثر المفاوضات الأميركية الإيرانية التي كان يفترض استئنافها في الدوحة، ما يعكس هشاشة التهدئة، ويؤكد أن الخلاف لم يعد يقتصر على أمن الملاحة، بل امتد إلى من يضع قواعد العبور ويدير أحد أهم الممرات البحرية في العالم.