كشف قيام السلطات اللبنانية المعنية بتوقيف واستجواب عناصر من مقاتلي حزب الله كانا ينقلان صواريخ إلى جنوب لبنان في مارس الماضي لشن عمليات ضد إسرائيل، مدى التحول الذي طرأ على الساحة السياسية اللبنانية مؤخرا.
فبالرغم من تمتع الجماعة المدعومة من إيران بنفوذ عميق في الدولة اللبنانية، وحيث تعتبر العمليات ضد إسرائيل أمرا طبيعيا، إلا أنه ولأول مرة، واجه بعض عناصر الحزب اتهامات جنائية.
تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز أفاد نقلا عن وثائق قانونية ومسؤولين قضائيين ومحامين مطلعين، أنه في مارس الماضي تم توقيف رجلين في الثلاثينيات كانا في شاحنة صغيرة محملة بـ21 صاروخا عند نقطة تفتيش للجيش اللبناني.
يشير التقرير إلى أن مقاتلي الحزب كانوا اعتادوا على التسلل من أمام قوات الدولة التي كانت تغض الطرف، إلا أنه ومنذ الثاني من مارس عندما جر الحزب لبنان إلى الحرب المعلنة من إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران، تغير الوضع، ليصبح الرجلان أول عضوين في الحزب يواجهان تهما جنائية معروفة بسبب قتالهما إسرائيل.
حالة غير مسبوقة
وفق فاينانشال تايمز، كان من غير المسبوق تقريبا استخدام القانون ضد الجماعة المسلحة بهذه الطريقة، في بلدٍ انغمس فيه حزب الله في السياسة.
يقول معن الأسعد، المحامي الذي كان يعمل على الدفاع عن عناصر الحزب وحضر استجوابهم: "كانوا غاضبين في البداية. لم يتخيلوا قط أننا سنصل إلى مرحلة نقول فيها: 'لاحقتني قوات الأمن لأنني كنت سأقاتل إسرائيل'".
ومع ذلك، فإن التهم الجنائية التي وُجهت إليهم بتعريض لبنان للخطر وانتهاك حياد الدولة أظهرت مدى التحول الذي طرأ على الساحة السياسية.
ومنذ أن أُضعف حزب الله في حرب 2024 مع إسرائيل، واجهت الحكومة اللبنانية ضغوطا دولية شديدة لإحراز تقدم في نزع سلاح الحزب، الذي هيمن على لبنان سياسيا وعسكريا لفترة طويلة.
ولعدم رغبة الجيش اللبناني في مصادرة الأسلحة بالقوة، وعدم قدرته على ذلك، بدأ العام الماضي خطة تدريجية لنزع السلاح، وفق التقرير.
الدفاع عن الجنوب دليل على البراءة؟
يفيد التقرير أنه بعد أيام من الاحتجاز، أقر العنصران أمام قاض عسكري بانتمائهما لحزب الله، وبأنهما كانا يخططان لاستخدام أسلحتهما للدفاع عن جنوب لبنان اعتقادا أن ذلك كان دليلا على براءتهما.
غير أن هذه المحاكمات لم تُفضِ إلى قرار ضد هذا الإجراء، الذي لا يزال يتمتع بنفوذ في النظام القضائي، بحسب التقرير.
ففي الحكم الوحيد الصادر حتى الآن، فرضت المحاكم غرامة قدرها 10 دولارات على كل مقاتل، ولم تُسجّل أي اعتقالات جديدة منذ أكثر من شهر.
قال أحد المحامين عناصر حزب الله: "يصوّروننا وكأننا مختبئون في كهف، لكننا حزب سياسي رئيسي". وقال عضو آخر: "جلسنا مع القضاة وتحدثنا إليهم، فنحن نعرفهم جيدا".
غضب وسط خصوم حزب الله
وفق التقرير، اتهم خصوم حزب الله الغاضبون المحكمة بالتواطؤ، كما أشار دبلوماسيون غربيون إلى الغرامة كمثال على تقاعس الدولة عن اتخاذ إجراءات فعّالة.
وأفادت الصحيفة نقلا عن مسؤول قضائي قوله إن الحكومة اللبنانية أعربت سرا عن استغرابها من قيمة الغرامة.
من جهتهم، يقول محامو حزب الله، رغم شعورهم بالخوف من الاعتقالات، إن المحكمة طبّقت القانون تطبيقا صحيحا.
وبحسب وثائق اطلعت عليها صحيفة فايننشال تايمز، فقد استأنفت النيابة العامة الحكم مطالبة بعقوبة أشدّ.
وأحال عادل نصار، وزير العدل، أحد القضاة للتحقيق معه لتحديد ما إذا كان هناك أي تدخل في إجراءات المحكمة. وقال: "لقد طرأ تغيير جذري. فالقضاء الآن يعتبر أسلحة حزب الله غير شرعية"، مؤكدا استقلال القضاء عن السياسة.
تشير الصحيفة إلى أنه في الأسابيع الأخيرة، أُفرج عن جميع المقاتلين المعتقلين بكفالة. وتوقفت التوقيفات تماما، وهو ما يعزوه المحامون والمسؤولون إلى الحرب. وكان البعض قد حذّر من أن مواصلة "الحملة" خلال الحرب قد تُشعل فتيل حرب أهلية، وفق الصحيفة.





