لسنوات طويلة، ارتبط حسن نصرالله في المخيلة الإسرائيلية بصورة الرجل الذي يدير معاركه من أعماق الأرض، بعيدا عن الأعين والطائرات والصواريخ. وكانت الرواية السائدة تقول إنه نادرا ما يظهر فوق الأرض، وإن حتى خطاباته كانت تسجل مسبقا لأسباب أمنية.

لكن مع مرور الوقت، بدأت تظهر روايات إسرائيلية مختلفة ترسم صورة أكثر تعقيدا لحياة الأمين العام السابق لحزب الله، وتكشف أن المعركة التي انتهت باغتياله لم تكن مجرد عملية عسكرية، بل نتاج سنوات من المراقبة وجمع المعلومات وتتبع التفاصيل اليومية.

نصرالله خارج الملاجئ

في مقابلة مع صحيفة معاريف، كشف العقيد الاحتياط "س"، الذي قاد وحدة "نحلات بنيامين" المسؤولة عن بناء بنك الأهداف في سلاح الجو الإسرائيلي، أن الاعتقاد السائد حول بقاء نصرالله بشكل دائم داخل الملاجئ لم يكن دقيقا.

وقال إنّ الأجهزة الإسرائيلية كانت تعرف أماكن إقامته وشققه ومواقع الطوارئ التي يستخدمها، مضيفا أنّ نصرالله عاش خلال فترات في شقة تقع في الطابق الثامن بأحد مباني الضاحية الجنوبية لبيروت، وكان يستخدم مصعدا خاصا عندما يحتاج إلى الانتقال إلى مواقع أكثر تحصينا.

وأشار الضابط الإسرائيلي إلى أن عملية المتابعة استمرت سنوات، وأن بناء صورة دقيقة عن تحركات نصرالله كان جزءا من عمل استخباراتي طويل سبق اتخاذ قرار استهدافه.

كما أوضحت جيروزاليم بوست، التي نقلت تفاصيل المقابلة، أن وحدة "نحلات بنيامين" تعد الجهة المسؤولة عن إعداد بنك الأهداف الذي تعتمد عليه إسرائيل في مختلف ساحات القتال.

من المراقبة إلى لحظة الاستهداف

لكن معرفة أماكن التحرك لم تكن كافية وحدها. بحسب وول ستريت جورنال، جاء القرار النهائي بعد حصول إسرائيل على معلومات فورية تفيد بعقد اجتماع يضم نصرالله وعددا من كبار قادة حزب الله داخل مقر تحت الأرض في الضاحية الجنوبية.

ونقلت الصحيفة عن المتحدث العسكري الإسرائيلي ناداف شوشاني قوله إن الجيش امتلك معلومات مباشرة حول الاجتماع ومكان انعقاده.

وأضافت الصحيفة أن التخطيط للعملية بدأ قبل أشهر، مع دراسة كيفية اختراق منشأة تقع على عمق كبير تحت الأرض. ووفقا للرواية الإسرائيلية، استخدمت سلسلة من الانفجارات المتتابعة للوصول إلى الموقع المستهدف، بينما قال العقيد "س" في حديثه إلى معاريف إن العملية تضمنت إسقاط 83 قنبلة، وهو العدد نفسه الذي استخدم لاحقا في استهداف هاشم صفي الدين.

الاستخبارات قبل القوة

تكشف الروايات الإسرائيلية أنّ العنصر الحاسم في العملية لم يكن حجم القوة النارية فقط، بل القدرة على جمع المعلومات وتحويلها إلى أهداف قابلة للاستهداف.

وترى لينا الخطيب، مديرة معهد الشرق الأوسط في جامعة الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن، في تصريح نقلته وول ستريت جورنال، أن الحملة الإسرائيلية ضدّ حزب الله فتحت مرحلة جديدة قد تؤثّر في نفوذ إيران الإقليمي.

أما الجنرال الأميركي المتقاعد، جوزيف فوتيل، القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية، فقال للصحيفة إن حجم الضربة صمم لزيادة فرص نجاحها إلى أقصى حدّ.

وفي السياق نفسه، اعتبر الخبير العسكري الأميركي ويس براينت أن استهداف شخصيات بهذا المستوى يعتمد أولا على القدرة على تحديد مكانها بدقة في اللحظة المناسبة.

وبينما تركزت الأنظار على القنابل التي دمرت المقر المستهدف، تشير التفاصيل التي كشفتها معاريف وجيروزاليم بوست ووول ستريت جورنال إلى أن العملية بدأت قبل ذلك بوقت طويل، في مرحلة جمع المعلومات ومراقبة التحركات وبناء بنك أهداف سمح في النهاية بتحويل معلومة استخباراتية إلى واحدة من أبرز عمليات الاغتيال في تاريخ الصراع بين إسرائيل وحزب الله.