عند معبر كابيكوي على الحدود بين إيران وتركيا، لا تعكس حركة العابرين مجرّد نشاط تجاري عادي، بل تحكي قصة اقتصاد يواجه واحدة من أصعب مراحله منذ عقود.

في تقرير ميداني نشرته صحيفة لوموند من المنطقة الحدودية، يظهر آلاف الإيرانيين وهم يعبرون يوميا حاملين أكياس الشاي والسجائر وزيت الطهي، في محاولة لتأمين دخل إضافي وسط تضخم قياسي وخسائر اقتصادية خلفتها الحرب. وتقول الصحيفة إن هذه "التجارة من أجل البقاء" أصبحت مرآة لوضع اقتصادي أنهك شرائح واسعة من المجتمع الإيراني.

تجارة البقاء على الحدود

تنقل لوموند قصة سمية، وهي أم مطلقة في الثلاثين من عمرها من مدينة خوي شمال غربي إيران، بدأت قبل أيام العمل في تجارة صغيرة تعتمد على العبور اليومي إلى تركيا. تحمل معها الشاي والسجائر لبيعها في الجانب التركي، ثم تعود بزيت الذرة الذي أصبح من السلع مرتفعة الثمن داخل إيران. وتحقق من هذه الرحلات دخلا يقدر بنحو 100 يورو شهريا.

وبحسب التقرير، يحمل كثير من سكان المناطق الحدودية بطاقات خاصة تسمح لهم بعبور الحدود يوميا وشراء وبيع كميات محددة من السلع من دون رسوم جمركية، وهو امتياز تحوّل بالنسبة لكثيرين إلى وسيلة ضرورية لتعويض تراجع الدخل.

📱

Loading TikTok...

تضخم يلتهم القدرة الشرائية

تقول سمية للوموند إنّها كانت تعمل سابقا في قطاع المطاعم، لكن تراجع النشاط الاقتصادي بعد الحرب أدّى إلى انخفاض دخلها بشكل كبير. وتضيف أنّ سعر زيت الطهي ارتفع إلى 5 أضعاف ما كان عليه سابقا.

وتشير بيانات المركز الإيراني للإحصاء التي أوردتها الصحيفة إلى أن معدل التضخم الرسمي بلغ 57.7٪ خلال شهري أبريل ومايو، وهو أعلى مستوى يسجل منذ نحو ٨٠ عاما.

وفي بعض المناطق الريفية ومحافظات مثل كردستان تجاوز التضخم 100٪، فيما تضاعفت أسعار الموادّ الغذائية بوتيرة أسرع من بقية السلع. كما تضاعف إيجار منزل سمية خلال عام واحد، بينما أصبح شراء الفاكهة أو الدجاج أمرا صعبا بالنسبة لكثير من الأسر.

وظائف مفقودة ومستقبل غامض

وتروي لوموند أيضا قصة بهزاد، وهو صاحب ورشة سجاد سابق اضطر إلى إغلاق عمله بعد تراجع الطلب. ويعتمد اليوم على رحلاته اليومية إلى تركيا لتحقيق دخل محدود. ويقول إن أسعار الأدوية الأساسية ارتفعت بشكل حادّ، مشيرا إلى أن سعر الأنسولين الذي يحتاجه ارتفع من 70 ألف تومان إلى 350 ألف تومان.

وتنقل الصحيفة عن تقديرات أولية لوزارة العمل الإيرانية أن الحرب تسببت في فقدان أكثر من مليون وظيفة، فيما أصبح نحو مليوني شخص عاطلين عن العمل من أصل قوة عاملة تبلغ 26 مليون شخص. كما قدرت الحكومة الإيرانية الأضرار التي لحقت بالاقتصاد والبنية التحتية بنحو 270 مليار دولار، شملت قطاعات النفط والبتروكيماويات والموانئ وشبكات النقل.

وفيما تراهن طهران على أن يوفر الاتفاق الأخير مع الولايات المتحدة بعض الانفراج الاقتصادي، نقلت لوموند عن الخبير الاقتصادي إسفنديار بطمانقليج قوله إن التسهيلات المرتبطة بتصدير النفط والإفراج التدريجي عن الأصول المجمدة قد تساعد على تهدئة سوق الصرف، لكنها لن تكون كافية لتعويض الخسائر الضخمة التي خلفتها الحرب.

ويضيف أن قيمة صادرات النفط المحتملة خلال أول ستين يوما من الاتفاق قد تبلغ نحو 8 مليارات دولار، وهو رقم يبقى محدودا مقارنة بالأضرار التي تقترب من 300 مليار دولار.

وبالنسبة إلى سمية، لا تبدو المؤشرات الاقتصادية كافية لتغيير نظرتها إلى المستقبل، موضحة: "ليس لدي أي أمل.. الأمور ستزداد سوءا".