عاد الحديث عن المناطق التجريبية في الجنوب اللبناني إلى الواجهة مع تصاعد التوتر الحدودي، لكن أصل الفكرة ليس جديداً. فقد ظهرت في لبنان للمرة الأولى بعد حرب يوليو 2006، حين واجه الوسطاء الدوليون صعوبة في تطبيق القرار 1701 دفعة واحدة، فاقترحوا اعتماد مربعات أمنية محدودة يتم فيها اختبار آليات الانتشار والتنسيق بين الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة، قبل تعميمها على كامل الشريط الحدودي.

لكنّ الفكرة تثير جدلاً واسعاً، لأنها تمسّ مباشرة معادلة السلاح خارج الدولة، ودور حزب الله في الجنوب، وحدود سلطة الجيش اللبناني.

حبر على ورق

بعد وقف إطلاق النار في أغسطس 2006، واجهت الأمم المتحدة معضلة: كيف يمكن تطبيق منطقة خالية من السلاح جنوب الليطاني في ظل وجود قوة مسلّحة غير خاضعة للدولة؟

لذلك ظهرت في تقارير الأمم المتحدة وفي مقالات لمركز كارنيغي ولمجموعة الأزمات الدولية في العام ٢٠٠٧ فكرة "المربعات الأمنية التجريبية"، أي مناطق صغيرة يتم فيها اختبار آليات الانتشار والتنسيق قبل الانتقال إلى مناطق أخرى، لكن هذه الأفكار بقيت حبرا على ورق، وقتها. مع تجدّد التوتر الحدودي، عاد الوسطاء الدوليون إلى طرح هذه الفكرة باعتبارها أداة عمليّة، يمكن البدء بها سريعاً من دون انتظار اتفاق شامل.

ما هي وجهة النظر الأميركية؟

أثار تصريح السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى اهتماماً واسعاً بعدما أوضح لمراسلة قناة إم تي في أن المناطق التجريبية ليست مثل المنطقة العازلة ولا تسعى إلى تغيير حدود أو فرض أمر واقع جديد داخل الأراضي اللبنانية، إنما البحث يتناول مدى قدرة الأطراف على الالتزام بوقف إطلاق النار وتسهيل انتشار الجيش اللبناني فيها بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها.

السفير الأميركي لفت إلى أنّ هذه المربعات لا تُعدّ مناطق منزوعة السلاح، ولا تُدار من قبل قوة دولية، إنما هي جزء من آلية لبنانية دولية مشتركة هدفها تسريع تنفيذ أي اتفاق أمني مستقبلي. رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري الذي يمثّل الثنائي الشيعي في أي محادثات، طلب من السفير الأميركي تقديم شرحه للمناطق التجريبية بنص مكتوب لدراسته والرد عليه.

لماذا يثور الخلاف على المناطق التجريبية؟

الخلاف حيال هذه المناطق مردّه إلى أسباب عدة ومنها:

  • البعض يخشى من أن تتحول المناطق التجريبية إلى مناطق "منزوعة السلاح" داخل الأراضي اللبنانية، ما يُعدّ سابقة خطيرة.
  • حزب الله يرفض أي صيغة تُلزمه بالانسحاب من مناطق حدودية قبل اتفاق شامل، ويرى أن ذلك يضعف ما يصفه بـ "معادلة الردع".
  • بعض التجارب الدولية تُظهر أن المناطق الموقتة قد تتحول إلى واقع دائم، كما حصل في قبرص والجولان.
  • بعض القوى السياسية ترى في الفكرة فرصة لتعزيز دور الجيش، بينما يعتبرها آخرون خطوة نحو "تدويل الجنوب".

كيف يمكن تطبيق المنطقة التجريبية؟

ضابط في الجيش اللبناني على إطلاع على المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية أوضح لبلينكس أنه يتم الحديث عن خطوات عملية تشمل:

  • تحديد مربعات جغرافية صغيرة داخل القرى أو على أطرافها
  • انسحاب عناصر حزب الله من هذه المربعات
  • انتشار الجيش اللبناني مع تعزيز عديده وعتاده
  • توسيع دور قوات الأمم المتحدة في المراقبة والتحرك
  • تحديد مرحلة اختبار تمتد لأسابيع أو أشهر لقياس الالتزام
  • مراجعة النتائج قبل الانتقال إلى مربعات جديدة

ما الفرق بين المنطقة التجريبية والمنطقة العازلة؟

  • المنطقة التجريبية: هي بطبيعتها موقتة، تُنشأ لاختبار إجراءات أمنية قبل تعميمها، مساحتها محدودة جداً، وتُدار بالتنسيق بين الجيش وقوات دولية هدفها التحقق من الالتزام وليس فرض أمر واقع دائم.
  • المنطقة العازلة: هي دائمة أو طويلة الأمد، تُنشأ للفصل بين طرفين متحاربين أو متنازعين. مساحتها واسعة وتمتد على طول الحدود، وغالبا ما تُدار بقوات دولية تتمتع بصلاحيات واسعة لمنع حصول احتكاك عسكري.

وعليه، فإن المنطقة التجريبية لها طابع انتقالي أما المنطقة العازلة فهي نظام أمني متكامل.

نماذج دولية لمناطق تجريبية

تُظهر التجارب الدولية أنّ اعتماد مناطق تجريبية هو خيار تلجأ إليه الدول أو الأمم المتحدة في المراحل الانتقالية من النزاعات، بهدف اختبار ترتيبات أمنية قبل تثبيتها أو توسيعها. وفي ما يلي أبرز النماذج التي اعتمدت هذا الأسلوب في مراحل مختلفة:

  • البوسنة مناطق الاختبار الأمني بعد اتفاق دايتون ١٩٩٥

بعد انتهاء الحرب الأهلية، لم تُنشأ منطقة عازلة شاملة مباشرة، بل اعتمدت قوات حفظ السلام مربعات أمنية تجريبية لاختبار قدرة الأطراف على الالتزام بوقف إطلاق النار.

وقد استُخدمت هذه المربعات لقياس مدى التزام الميليشيات السابقة بإعادة الانتشار، قبل الانتقال إلى مناطق أوسع.

ونجحت التجربة لأنها كانت مرتبطة باتفاق سياسي واضح، ولأنها بقيت محدودة زمنياً وكانت تخضع لتقويم دوري يحدد استمرارها أو تعديلها.

  • جنوب السودان مناطق نزع السلاح الموقتة ٢٠١١- ٢٠١٥

أنشأت الأمم المتحدة مناطق أمنية موقتة، تُعد نموذجاً قريباً جداً من المناطق التجريبية، إذ كانت تُستخدم لاختبار قدرة القوات الحكومية والمتمردين على الالتزام بوقف إطلاق النار.

وقد شكّلت هذه المناطق مساحة اختبار قبل توسيع نطاق الانتشار أو تعديل آليات المراقبة. ولم تكن مناطق عازلة دائمة، إنما مربعات أمنية قابلة للتغيير تُلغى أو تُوسع، بحسب مستوى التزام الأطراف.

  • إثيوبيا إريتريا: مناطق المراقبة الموقتة ٢٠٠٠- ٢٠٠٨

بعد الحرب بين البلدين، لم تُنشأ منطقة عازلة كاملة فوراً، بل اعتمدت الأمم المتحدة مناطق مراقبة تجريبية داخل الأراضي الإثيوبية والإريترية.

وقد استُخدمت هذه المناطق لاختبار آليات الفصل بين القوات وتحديد نقاط التوتر، قبل تثبيت منطقة أمنية أوسع نطاقاً.

وتُعد هذه التجربة من أقرب النماذج إلى فكرة “المربعات التجريبية”، لأنها بدأت صغيرة ثم توسّعت تدريجياً وفقاً لنتائج التقويم الميداني.

  • تيمور الشرقية مناطق الانتشار المرحلي ١٩٩٩- ٢٠٠٢

اعتمدت الأمم المتحدة مناطق محدودة تُختبر فيها ترتيبات الأمن المحلي قبل الانتقال إلى مناطق أخرى.

وقد استُخدمت هذه المناطق لقياس قدرة الشرطة المحلية والقوات الدولية على ضبط الأمن ومنع الاحتكاكات، قبل تعميم التجربة على كامل الإقليم.

وأثبتت التجربة أنّ المناطق التجريبية يمكن أن تكون أداة فاعلة في الانتقال من الفوضى إلى الاستقرار، شرط أن تكون مرتبطة بخطة سياسية واضحة.

  • نيبال مناطق تجميع المقاتلين ٢٠٠٦-٢٠١١

بعد اتفاق السلام بين الحكومة والمتمردين، تم إنشاء مناطق محدودة تُستخدم لاختبار التزام المقاتلين بوقف إطلاق النار وتسليم السلاح.

ولم تكن هذه المناطق مناطق عازلة، بل مربعات أمنية موقتة تُراقَب فيها الحركة العسكرية وتُختبر فيها آليات التنسيق بين الطرفين.

وتُظهر التجربة أنّ المناطق التجريبية يمكن أن تكون جزءاً أساسياً من عملية سياسية أوسع تهدف إلى دمج المقاتلين وإعادة بناء المؤسسات.