منذ قيام الثورة الإيرانية، اعتمدت طهران على مبدأ يعرف بـ"الصبر الاستراتيجي". كانت تتجنب المواجهة المباشرة مع خصومها، وتفضل الرد عبر حلفائها وشبكاتها الإقليمية أو في توقيت تختاره بنفسها.

لكن الحرب الأخيرة مع إسرائيل والولايات المتحدة كشفت تحولا لافتا داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية. فبدلا من الاكتفاء بالاحتواء والرد غير المباشر، بدأت طهران تتبنى نهجا أكثر هجومية يقوم على فرض كلفة مباشرة وسريعة على الخصوم، وتوسيع ساحة المواجهة إلى ما هو أبعد من حدودها.

ويرى خبراء أن ما يجري لا يمثل مجرد رد فعل على الحرب الحالية، بل يعكس ولادة عقيدة عسكرية جديدة قد تعيد رسم معادلات الردع في الشرق الأوسط.

من "الصبر الاستراتيجي" إلى الرد المباشر

يقول الباحث الإيراني حميد رضا عزيزي إن القائد العسكري علي عبد اللهي أعلن في مارس الماضي أن العقيدة العسكرية الإيرانية انتقلت رسميا من وضع دفاعي إلى وضع هجومي، وهو تحول يعكس تغييرا في طريقة تفكير طهران تجاه الردع والحرب.

ووفقا لتحليل نشره موقع إيران أناليتيكا، كانت إيران تعتمد سابقا على مزيج من الدفاع المتقدم عبر الحلفاء والرد الصاروخي العقابي، لكن العنصر الدفاعي كان هو الغالب. أما اليوم فأصبحت الأولوية لفرض عقوبات عسكرية مباشرة على الخصوم وإظهار الاستعداد لاستخدام القوة.

وتشير صحيفة إل كونفيدنسيال الإسبانية إلى أن القيادة الإيرانية الجديدة باتت تنظر إلى سياسة الصبر الاستراتيجي باعتبارها أحد أسباب وصول الحرب إلى الأراضي الإيرانية نفسها. وتنقل عن إيلي جيرانمايه، نائبة مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، قولها إن هناك تيارا متصاعدا في طهران يرى أن إيران تحتاج إلى أن تكون "أكثر حزما وأكثر تصعيدا وأكثر قابلية للمفاجأة" حتى تستعيد قوة الردع أمام إسرائيل.

أما المحلل الإسرائيلي داني ليرر فيرى أن الردود الإيرانية الأخيرة لا تستهدف الرد على حادث معين فقط، بل تهدف إلى "إعادة تعريف قواعد المواجهة الإقليمية" وفرض معادلة ردع جديدة مع إسرائيل.

توسيع ساحة الحرب ورفع كلفتها

يتمثل أحد أبرز ملامح العقيدة الجديدة في توسيع نطاق الصراع بدلا من حصره في مواجهة مباشرة مع إسرائيل. ووفقا لتحليل عزيزي، لم تركز الضربات الإيرانية الأولى على إسرائيل وحدها، بل استهدفت البنية التي تمنح الولايات المتحدة وإسرائيل تفوقهما العسكري، بما في ذلك القواعد والمنشآت وشبكات الإنذار والدفاع الجوي في المنطقة.

كما تبنت طهران ما يسميه عزيزي "استراتيجية الاستنزاف" بدلا من البحث عن ضربة حاسمة وسريعة. لم تعد الفكرة تحقيق نصر عسكري مباشر، بل إطالة أمد الصراع واستنزاف موارد الخصوم ورفع كلفة استمرار الحرب عليهم سياسيا واقتصاديا وعسكريا.

ولهذا السبب كثفت إيران استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة بصورة متواصلة بهدف الضغط على أنظمة الدفاع الإسرائيلية وإجبارها على إنفاق موارد أكبر مع مرور الوقت.

وفي السياق نفسه، تحول مضيق هرمز من ورقة ردع كامنة إلى أداة ضغط فعالة. ويشير التحليل إلى أن طهران أصبحت تربط أي تصعيد ضدها بتهديدات تمس أسواق الطاقة العالمية والبنية التحتية النفطية في المنطقة، في محاولة لنقل كلفة الحرب إلى أطراف أخرى وإجبار خصومها على إعادة حساباتهم.

نهاية "حرب الوكلاء" أم محاولة لإنقاذها؟

يتمثل التحول الثالث في تراجع الاعتماد الحصري على الوكلاء الإقليميين. فبحسب تحليل نشره موقع آي 24 نيوز، كانت إيران طوال عقود تعتمد على ما عرف بـ"حلقة النار" المحيطة بإسرائيل عبر حلفائها في لبنان وغزة وسوريا والعراق واليمن. لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن طهران باتت تتدخل بنفسها بصورة مباشرة للدفاع عن هؤلاء الحلفاء.

ويرى التقرير أن إيران انتقلت من مرحلة كان الوكلاء يقاتلون فيها نيابة عنها إلى مرحلة أصبحت هي نفسها تقاتل لحماية هؤلاء الوكلاء، خصوصا بعد تراجع قدرات بعضهم نتيجة الحرب.

ويعتبر التقرير أن هذا التحول يجعل إيران أكثر خطورة على المدى القصير لأنها باتت مستعدة للمواجهة المباشرة، لكنه قد يكشف أيضا نقاط ضعفها على المدى البعيد لأنها لم تعد قادرة على إبقاء الصراع بعيدا عن أراضيها.

وفي الوقت نفسه، تؤكد جيرانمايه أن إسرائيل نفسها تغيرت بعد أحداث 7 أكتوبر، وأصبحت أكثر جرأة وأقل اكتراثا بردود فعل المجتمع الدولي، ما يدفع إيران إلى الاعتقاد بأن أدوات الردع القديمة لم تعد كافية.

لذلك تسعى طهران اليوم إلى بناء معادلة جديدة تقوم على الرد السريع والمباشر وفرض كلفة فورية على أي هجوم يستهدفها أو يستهدف حلفاءها.