شهدت الأيام القليلة الماضية تصعيداً إيرانياً لافتاً ومتعدد الجبهات، ففي الثالث من يونيو الجاري، أسفر هجوم بطائرة مسيرة إيرانية استهدف صالة الوصول رقم (1) بمطار الكويت الدولي عن مقتل شخص وإصابة 60 آخرين.
وقبلها بيوم واحد، أعلنت مجموعة "كومالا" الكردية الإيرانية المعارضة عن استهداف طهران لإحدى قواعدها في إقليم كردستان شمالي العراق. هذا الحراك الميداني تزامن مع تهديد علني أطلقه قائد فيلق القدس، إسماعيل قاآني، باستهداف حركة الملاحة البحرية قرب مضيق باب المندب عند مدخل البحر الأحمر.
وفي تحليل نشره موقع "ناشونال أنتريست" الأميركي، يرى سيث فرانتزمان، محلل شؤون الشرق الأوسط في "جيروزاليم بوست" والزميل المساعد في "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات"، أن هذه الأحداث ليست معزولة، بل هي تجسيد حي لكيفية تمدد التهديدات الإيرانية عبر خط جبهة يمتد لأكثر من 3 آلاف ميل، يبدأ من طهران ويمر بالعراق، وصولاً إلى مضيقي هرمز وباب المندب.
مفاوضات تحت النار
يوضح فرانتزمان أن طهران ما زالت متمسكة باستراتيجية "نشر الفوضى" كأداة للضغط الإقليمي، حتى في الوقت الذي تخوض فيه محادثات مع الولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق. وتتمحور هذه المفاوضات المعقدة حول ملفات شائكة:
- المطالب الأميركية: تتلخص في تخلي إيران عن برنامجها النووي، وإنهاء تهديداتها لحرية الملاحة في مضيق هرمز.
- المطالب الإيرانية: تصر طهران على رفع الحصار الاقتصادي الأميركي المفروض عليها، والحصول على ضمانات صارمة بعدم تعرضها لأي هجمات مستقبلية من واشنطن أو تل أبيب.
ورغم استمرار الدبلوماسية، تبرهن الوقائع على أن سياسة إيران الإقليمية لم تتغير، إذ واصلت على مدار عقود دعم شبكة وكلائها في المنطقة، بدءاً من حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، مروراً بالفصائل المسلحة في العراق، وصولاً إلى حركة حماس في فلسطين.
خريطة الصراع بعيون طهران
يرى التقرير أن فهم الاستراتيجية الإيرانية يتطلب التخلي عن نظرة "الساحات المنفصلة"، بل يجب قراءة المشهد برؤية طهران الشاملة التي ترى في هذه الساحات جبهة واحدة مترابطة يمكن إشعالها بـ "زر تحكم" واحد وفقاً لمصالحها.
وتجلى هذا الترابط بوضوح في أعقاب الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير الماضي، حيث جاء الرد الإيراني سريعاً ومتعدد المحاور:
- إغلاق مضيق هرمز واستهداف دول المنطقة بالصواريخ والمسيرات.
- تحريك الفصائل الموالية لها في العراق لضرب المنشآت الدبلوماسية الأميركية.
- التهدئة في ساحة مقابل التصعيد في أخرى لحماية مكتسباتها.
"حزب الله" واستراتيجية التقاط الأنفاس
وفي الوقت الذي تصعد فيه طهران، تتحرك في لبنان نحو التهدئة للحفاظ على هيكلية "حزب الله". ورغم أن المحادثات اللبنانية-الأميركية أسفرت في الثالث من يونيو عن اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، بدعم وتيسير من الرئيس الأميركي دونالد ترامب الساعي لخفض التصعيد، فإن العقدة تكمن في استمرار الحزب بالاحتفاظ بسلاحه وتكثيف هجماته بالمسيرات على شمال إسرائيل، مما دفع الأخيرة للتهديد بضرب بيروت.
ومن منظور طهران، يعد هذا الاتفاق تكتيكاً مقبولاً يمنح حزب الله فرصة لترتيب أوراقه وانتظار "الجولة القادمة".
وتثبت إيران عبر ربط مسارات التفاوض الميداني أنها تنظر إلى خطوط المواجهة كمنظومة موحدة، وأن أي استهداف لعمقها سيقابل بردود فعل متزامنة عبر وكلائها.
ويخلص التقرير إلى أن كبح جماح هذه الجبهة الإيرانية الممتدة لثلاثة آلاف ميل يمر حتماً عبر طريق واحد: إضعاف أذرعها العسكرية في العراق ولبنان لتفكيك حلقة الوصل التي تغذي هذه الفوضى.





