عندما جلس غابرييل أتال، رئيس الوزراء الفرنسي السابق والمرشح المعلن للانتخابات الرئاسية المقبلة، أمام مائدة تضم النبيذ الأحمر واللحوم الباردة وطبق "التريبو" التقليدي في منطقة أوبراك، لم يكن يختار وجبة إفطار عادية.

بدا المشهد، بحسب صحيفة لو تان السويسرية، محاولة مدروسة لاستحضار صورة فرنسا الريفية والاقتراب من ناخبي الأقاليم، على خطى الرئيس الأسبق جاك شيراك الذي اشتهر باستخدام رموز المطبخ المحلي لتخفيف صورته الباريسية النخبوية.

وتأتي هذه الخطوة في وقت عاد فيه الطعام إلى قلب النقاش السياسي الفرنسي، عبر الجدل المثار حول مطاعم "ماستر بوليه" الحلال وولائم "الكانون الفرنسي" القائمة على الخنزير المشوي والنبيذ.

بالنسبة لكثير من الفرنسيين، لم تعد الأطباق مجرد أطعمة، بل أصبحت أدوات انتخابية ورموزا لهوية وطنية متنازع عليها.

الطعام وسيلة للوصول إلى الناخبين

يرى عالم الاجتماع الفرنسي كلود فيشلر أنه "لا توجد قضية أكثر سياسية من الغذاء"، لأن تنظيم الوصول إلى الموارد وتقاسمها وتحديد من ينتمي إلى الجماعة ومن يُستبعد منها يقع في صميم بناء المجتمعات.

وبحسب لو تان، فإن الحملات الانتخابية الفرنسية استخدمت الطعام مرارا للتقرب من الناخبين أو مخاطبة حساسياتهم الثقافية والاجتماعية.

ففي انتخابات 2012 تحولت قضية اللحوم الحلال إلى محور مواجهة بين مارين لوبان وجان لوك ميلانشون، حيث اعتبر اليمين المتطرف الذبح الحلال تهديدا للتقاليد الفرنسية، بينما وصفه اليسار بأنه قضية تتعلق بالتمييز ضد المسلمين.

وفي انتخابات 2022 انتقل الجدل إلى الشواء واللحوم الحمراء عندما دافع المرشح الشيوعي فابيان روسيل عن حق الفرنسيين في الوصول إلى "الطعام الجيد"، بينما انتقدت القيادية البيئية ساندرا روسو ما اعتبرته رمزية ذكورية مرتبطة بالشواء.

وتشير المؤرخة جوليا تشيرغو إلى أن الغذاء أصبح مجالا تتبلور فيه التوترات الهوياتية الجديدة، لأن الطعام يرتبط مباشرة بالشعور بالانتماء، بحسب صحيفة بوليتيس. وترى أن تصاعد هذه السجالات يعكس تساؤلات أعمق حول الهوية الفرنسية في مجتمع أصبح أكثر تنوعا ثقافيا ودينيا.

عندما يصبح طعام الأقليات مادة للهجوم السياسي

لا يقتصر استخدام الطعام على استمالة الناخبين، بل يمتد إلى استهداف الأقليات والمهاجرين. وتوضح لو تان أن الجدل الحالي حول سلسلة مطاعم "ماستر بوليه" لا يتعلق فقط بالوجبات السريعة، بل أصبح جزءا من نقاش أوسع حول الضواحي والاندماج. فقد انتقد رئيس بلدية سانت أوين الاشتراكي كريم بوعمران انتشار هذه المطاعم، بينما دافع عنها نواب من فرنسا الأبية باعتبارها تخدم الشباب والفئات الشعبية.

لكن هذه ليست المرة الأولى التي يتحول فيها طعام مرتبط بالمهاجرين إلى قضية سياسية. فبحسب تحقيق نشرته نيوزويك، جعل اليمين المتطرف من مطاعم الكباب رمزا لما وصفه بـ"أسلمة" فرنسا.

وخلال حملات انتخابية محلية، استخدم سياسيون مصطلح "تكبيب فرنسا" للإشارة إلى تزايد مطاعم الكباب في المدن الفرنسية، باعتبارها دليلا على تغير الهوية الثقافية للبلاد.

ويقول داميان شميتز، صاحب مطعم كباب في باريس، إن مهاجمة الكباب تسمح للبعض بـ"التحدث بسوء عن المسلمين من دون التحدث مباشرة عن المسلمين". كما اعتبر تيبو لو بيليك، مؤسس موقع متخصص في تقييم مطاعم الكباب، أن هذا الطبق أصبح انعكاسا للنقاشات المرتبطة بالهجرة والاندماج في فرنسا.

وتضيف جوليا تشيرغو أن بعض الخطابات التي تستهدف الكباب أو الأطعمة القادمة من الخارج لا تختلف كثيرا عن أشكال "القومية الغذائية" التي تسعى إلى تعريف هوية وطنية نقية عبر الطعام، رغم أن المطبخ الفرنسي نفسه نتاج قرون من التبادل الثقافي والتجاري والهجرات البشرية.

📱

Loading TikTok...

من "كسكس غيت" إلى ولائم الخنزير.. الطعام كسلاح للفرز الهوياتي

تكشف تقارير أن استخدام الطعام كأداة للفرز السياسي والهوياتي يعود إلى عقود طويلة.

في عام 2017 اندلعت قضية عرفت باسم "كسكس غيت" بعدما نشر مسؤول في حزب الجبهة الوطنية اليميني صورة له مع قيادي حزبي يتناولان الكسكس في مطعم بمدينة ستراسبورغ.

وأثار الأمر موجة انتقادات من أنصار الحزب الذين اعتبروا أن السياسي "الوطني" لا ينبغي أن يتناول طبقا مرتبطا بالمهاجرين من شمال أفريقيا. وتوصلت دراسة تاريخية حول الحادثة إلى أن الطعام استُخدم مرارا في فرنسا لرسم حدود من يُعتبر فرنسيا ومن يُنظر إليه بوصفه "الآخر".

وتشير لو تان إلى أن الكسكس كان هدفا لحملات سياسية منذ ثمانينات القرن الماضي، حيث وُزعت في انتخابات 1988 منشورات تصور الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران مرتديا جلبابا مغربيا ومرفقة بشعار ساخر يقول: "حرية، مساواة، كسكس". كما سبقت ذلك حملات استهدفت المطبخ الإيطالي عندما كان الإيطاليون أكبر جالية مهاجرة في فرنسا، وكان يُطلق على مستهلكيه وصف "ماكاروني" على سبيل الإهانة.

وفي المقابل، ظهرت في السنوات الأخيرة ولائم "الكانون الفرنسي" التي تمولها شخصيات محافظة وتقدم الخنزير المشوي واللحوم الباردة والنبيذ باعتبارها رموزا للتراث الفرنسي.

وتحظى هذه المبادرات بدعم شخصيات من اليمين القومي، بينما تتهمها جمعيات ومنتخبون يساريون بأنها تستبعد المسلمين وتستخدم الطعام لترسيم حدود الهوية الوطنية.

وتقول جوليا تشيرغو إن المشكلة لا تكمن في طبق بعينه، بل في تحويله إلى معيار لتحديد من ينتمي ومن لا ينتمي، لأن ذلك يؤدي إلى "تأصيل" الهويات وكأنها كيانات ثابتة ونقية، بينما الواقع أن جميع الثقافات الغذائية هي نتاج اختلاط وتأثر متبادل عبر التاريخ.