أطلقت إسرائيل واحدة من أكثر حملات المطاردة والاغتيال تعقيدا في تاريخها الحديث بعد هجوم 7 أكتوبر 2023، مستعينة بقدرات متطورة في الذكاء الاصطناعي والتعرف على الوجوه واعتراض الاتصالات وتحليل البيانات، بهدف تعقب وقتل أو اعتقال كل من شارك في الهجوم الذي نفذته حركة حماس داخل جنوب إسرائيل.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، فإن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية شكلت قوة خاصة تحمل اسم "نيلي"، مهمتها الوحيدة ملاحقة آلاف الأشخاص الذين تتهمهم إسرائيل بالمشاركة في هجوم 7 أكتوبر، بدءا من قادة حماس وصولا إلى عناصر ميدانية وسائقي الجرافات الذين اخترقوا الحدود.

ذكاء اصطناعي وتعقب رقمي واسع

ذكرت وول ستريت جورنال أن الحملة تعتمد على أدوات مراقبة رقمية واسعة تشمل تحليل مقاطع الفيديو التي صورها المهاجمون بأنفسهم، وتشغيل الصور عبر برامج التعرف على الوجوه، إضافة إلى تتبع المكالمات الهاتفية وبيانات الأبراج الخلوية واستجواب المعتقلين الفلسطينيين.

وقالت الصحيفة إن عناصر الاستخبارات الإسرائيلية كانوا يجمعون "قطعتين من الأدلة" على الأقل قبل إدراج أي شخص على قائمة الاغتيالات، بينما كانت فرق من الشاباك والاستخبارات العسكرية وسلاح الجو تعمل داخل غرفة عمليات مشتركة لتحديد أماكن المطلوبين وتنفيذ الضربات الجوية.

وأوضح غاي تشين، المسؤول السابق في الشاباك، أن الوصول إلى الأهداف "يتطلب معرفة مكان الشخص بالضبط وفي اللحظة نفسها"، مشيرا إلى أن الاستخبارات كانت تراقب تحركات أصدقاء وأقارب المطلوبين على أمل الوصول إليهم.

ومن أبرز العمليات التي أوردها التقرير اغتيال صالح العاروري، القيادي البارز في حماس ببيروت مطلع 2024، بعد رصد اجتماع ضم عددا من قادة الحركة داخل مكتب متصل بالإنترنت.

وفقا لمسؤولين عرب نقلت عنهم الصحيفة، تجاهل العاروري تحذيرات من حزب الله بعدم استخدام الهواتف أو الأجهزة الإلكترونية لتجنب التتبع.

من "ميونيخ" إلى غزة.. عقيدة الانتقام

ترى الصحيفة أن الحملة الحالية تعكس امتدادا لعقيدة إسرائيلية قديمة تقوم على ملاحقة منفذي الهجمات ضد الإسرائيليين أينما كانوا، مستحضرة عمليات الموساد التي استهدفت فلسطينيين بعد هجوم أولمبياد ميونيخ عام 1972.

وقال رئيس الموساد دافيد برنياع خلال جنازة رئيس الجهاز السابق تسفي زامير عام 2024: "سيستغرق الأمر وقتا كما حدث بعد ميونيخ، لكن أيدينا ستصل إليهم أينما كانوا".

كما نقلت الصحيفة عن مايكل ميلشتاين، الضابط السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، قوله إن "الانتقام جزء مهم من الخطاب في الشرق الأوسط"، مضيفا: "هذه هي لغة المنطقة للأسف".

وذكرت وول ستريت جورنال أن بعض الأهداف كانت تمنح أولوية خاصة إذا كانت مرتبطة بعائلات رهائن أو قتلى إسرائيليين، فيما وصفه مسؤول أمني إسرائيلي بأنه "علاج للروح".

وفي إحدى العمليات الأخيرة، ألقت 3 طائرات إسرائيلية 13 قنبلة على شقة وسيارة في مدينة غزة لقتل القيادي العسكري في حماس عز الدين الحداد، الذي اتهمته إسرائيل بالمشاركة في التخطيط لهجوم 7 أكتوبر وإعادة بناء القدرات العسكرية للحركة. وأسفرت الضربة أيضا عن مقتل زوجته وابنته ومدنيين آخرين، بحسب الحركة.

📱

Loading TikTok...

جدل قانوني وأخلاقي

رغم أن إسرائيل تقدم الحملة باعتبارها جزءا من "الحرب على الإرهاب"، فإنها أثارت نقاشا واسعا بشأن شرعية الاغتيالات خارج القضاء.

وقالت رايتشل فان لاندينغهام، الخبيرة الأميركية في قانون الأمن القومي والقاضية السابقة في سلاح الجو الأميركي، إن القانون الدولي يسمح باستهداف المقاتلين خلال الحروب حتى أثناء وقف إطلاق النار، لكن قتل المدنيين المشتبه بهم خارج القضاء "قد يشكل جريمة حرب".

وأضافت أن التحدي الأكبر يتمثل في تحديد من يعتبر "مقاتلا" ومن يعد "مدنيا"، خاصة في بيئة مثل غزة حيث تتداخل البنية العسكرية مع الحياة المدنية.

في المقابل، قالت إسرائيل إن القانون الدولي يسمح لها باستهداف أي مدني يشارك في الأعمال القتالية، مؤكدة أن تحديد الأسماء على قوائم الاغتيال قد يستغرق "أياما أو أشهرا أو حتى سنوات".

لكن أصواتا إسرائيلية نفسها أبدت تحفظات على منطق "الانتقام"، إذ قال يعقوب أرغماني، والد الرهينة السابقة نوعا أرغماني، إنه لا يعرف "ماذا يضيف الانتقام"، رغم إشادته بالجهود الإسرائيلية لتحرير الرهائن.

أما أفيفا سيغال، التي احتجزت رهينة في غزة 51 يوما، قالت للصحيفة إنها لا تريد مزيدا من القتل بعد نجاتها، مضيفة: "أنا على قيد الحياة.. وهذا يكفيني".