بعد سنوات من عزل طالبان ورفض الاعتراف بها منذ عودتها إلى الحكم في أفغانستان عام 2021، بدأت أوروبا تقترب تدريجيا من الحركة التي كانت حتى وقت قريب رمزا لكل ما تقول بروكسل إنها تحاربه.

ليس الدافع هذه المرة الحرب على الإرهاب ولا حقوق النساء، بل ملف الهجرة. مع تصاعد الضغوط الداخلية وارتفاع الخطاب اليميني المناهض للمهاجرين، بات الاتحاد الأوروبي يبحث عن طرق عملية لترحيل طالبي اللجوء الأفغان، حتى لو تطلب الأمر فتح قنوات مباشرة مع طالبان نفسها.

أثارت هذه الخطوة غضبا واسعا داخل المؤسسات الحقوقية الأوروبية، التي رأت فيها تنازلا أخلاقيا وسياسيا غير مسبوق.

من القطيعة إلى الحوار.. لماذا تقترب أوروبا من طالبان؟

كشفت وكالة رويترز أن المفوضية الأوروبية تخطط لعقد أول اجتماع رسمي في بروكسل مع مسؤولين من طالبان لبحث ترحيل بعض المهاجرين الأفغان المصنفين كتهديدات أمنية.

وقال المتحدث باسم المفوضية ماركوس لاميرت إن الاجتماع يجري التنسيق له مع السويد بناء على طلب عدد من الدول الأعضاء، مؤكدا أن الحوار "لا يعني بأي شكل الاعتراف بحكومة طالبان".

ووفقا لتقرير صدر عن دويتشه فيله، فإن 20 دولة أوروبية ومنطقة شنغن طلبت العام الماضي بدء هذه المشاورات، بعدما تبين أن 2% فقط من الأفغان الذين صدرت بحقهم أوامر ترحيل في 2024 أعيدوا فعليا إلى أفغانستان.

وأوضح لاميرت أن معظم المطلوب ترحيلهم "أشخاص يشكلون تهديدا أمنيا أو أدينوا بجرائم".

أما صحيفة إلباييس الإسبانية فرأت أن ما يحدث يعكس تحولا أوسع في السياسة الأوروبية، وأضافت الصحيفة أن بروكسل ستستضيف في يونيو وفدا من طالبان يقوده المتحدث باسم وزارة الخارجية عبد القهار بلخي، للقاء مسؤولين من المفوضية الأوروبية وجهاز العمل الخارجي الأوروبي ودول أعضاء مثل السويد.

ألمانيا تقود الحملة.. والخوف من الهجمات يغير السياسة

بحسب مهاجر نيوز، النسخة الإنكليزية، أصبحت ألمانيا رأس الحربة الأوروبية في ملف ترحيل الأفغان، بعدما رحلت منذ 2024 أكثر من 100 أفغاني مدانين بجرائم. وجاء هذا التشدد بعد سلسلة هجمات نفذها أفغان داخل ألمانيا، أبرزها عملية دهس في ميونيخ أسفرت عن إصابة 36 شخصا، ما ساهم في تصاعد الضغوط السياسية خلال الانتخابات الألمانية الأخيرة.

وذكرت رويترز أن مئات آلاف الأفغان طلبوا اللجوء في أوروبا منذ سيطرة طالبان على الحكم، لكن قبول طلباتهم بدأ يتراجع مع تشدد سياسات الهجرة الأوروبية.

كما أشارت كورث هاوس نيوز إلى أن الرأي العام الأوروبي أصبح أكثر تشددا تجاه الهجرة، ما دفع دولا مثل النمسا وبلجيكا والسويد إلى دراسة خطوات مشابهة للحوار مع طالبان.

وفي المقابل، تقول المفوضية الأوروبية إن نسبة تنفيذ قرارات الترحيل لا تتجاوز 20% حاليا، وهو ما تعتبره "غير مقبول".

غضب حقوقي وتحذيرات من "شرعنة طالبان"

أثار التحرك الأوروبي موجة انتقادات حادة من منظمات حقوق الإنسان وأحزاب اليسار الأوروبي، إذ قال النائب الاشتراكي الإسباني خوان فرناندو لوبيز أغيلار إن دعوة طالبان إلى بروكسل تمثل "سقوطا أخلاقيا" للمفوضية الأوروبية، متهما إياها بالخضوع لأقصى اليمين داخل أوروبا.

أما النائبة الأوروبية عن حزب الخضر ميليسا كامارا فحذرت من أن استضافة مسؤولي طالبان تعني "التخلي عن القيم والحقوق التي تأسس عليها الاتحاد الأوروبي".

وقال رشاد جلالي، المسؤول في المجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين، لرويترز: "من المقلق للغاية إجراء مناقشات حول إعادة أفغان إلى أفغانستان التي تسيطر عليها طالبان"، محذرا من مخاطر الاضطهاد وانتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية.

كما اعتبرت منظمة العفو الدولية أن إعادة الأفغان قسرا "تتجاهل الأسباب التي دفعتهم إلى الفرار"، مؤكدة أن الاتحاد الأوروبي يغامر بانتهاك التزاماته الدولية.

وتزداد هذه المخاوف مع استمرار الأزمة الإنسانية داخل أفغانستان، حيث يعاني، بحسب برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، أكثر من 17 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، بينما تستقبل البلاد موجات عائدين قسرا من إيران وباكستان.