لا تبدو زيارة رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، إلى دمشق مجرّد محطة بروتوكولية في علاقة لبنانية- سورية تعاد صياغتها بعد سقوط النظام السابق. فبيروت تحمل إلى العاصمة السورية ملفات متراكمة، سجناء، حدود، تهريب، لاجئون، ترانزيت، طاقة، ومعابر.
وفي الخلفية، يتحرّك لبنان على خط آخر لا يقل حساسية، مع جولة محادثات مرتقبة في واشنطن بين بيروت وإسرائيل، وسط جنوب متوتر وهدنة تختبر قدرتها على الصمود.
سلام في دمشق.. اختبار ما بعد الأسد
وصل سلام إلى دمشق على رأس وفد وزاري. واستقبل الرئيس السوري، أحمد الشرع، رئيس الحكومة اللبنانية في قصر الشعب، فيما عُقدت لقاءات ثنائية بين عدد من الوزراء اللبنانيين ونظرائهم السوريين في قصر تشرين.
كما اجتمع متري مع وزير الداخلية السوري، أنس الخطاب، في مقر وزارة الداخلية، قبل اجتماع أوسع للوفد اللبناني مع الشرع وسلام.
وبحسب وكالة سانا، تهدف الزيارة إلى تطوير التعاون المشترك بين البلدين في مختلف المجالات، خاصة الاقتصاد والنقل والطاقة.
ملفات ثقيلة على الطاولة
تضع الزيارة أمام الجانبين مجموعة ملفات عالقة. في مقدمتها ملف السجناء السوريين في لبنان، بعدما وقّع البلدان في فبراير الماضي اتفاقية قضائية لنقل المحكومين السوريين إلى بلادهم، وبدأ تنفيذها في مارس بتسليم دفعة أولى شملت نحو 135 شخصًا، فيما لا تزال دفعة ثانية بنحو 240 سجينًا عالقة بسبب تعقيدات مرتبطة بالقانون اللبناني.
أما الحدود، فتبقى واحدة من العقد المزمنة. تمتد الحدود اللبنانية- السورية لنحو 330 كيلومترًا، وتتخللها عشرات المعابر غير الشرعية التي استُخدمت لسنوات في التهريب والتنقل غير المنظم، بما يشمل تهريب السلاح والمقاتلين عبر شبكات مرتبطة بحزب الله، بحسب تقرير تلفزيون سوريا.
الاقتصاد يقود الوفد
توحي تركيبة الوفد اللبناني بأن الملفات الاقتصادية في صدارة البحث. فبحسب نداء الوطن، سيُناقش التبادل التجاري، والترانزيت، والطاقة، والمعابر. كما ستُثار مسألة منع الشاحنات اللبنانية من المرور الحر داخل سوريا وإجبارها على تفريغ حمولاتها أو نقل بضائعها إلى شاحنات سورية.
ووفق المدن، سيبحث وزير الاقتصاد عامر البساط مع نظيره السوري ملف الترانزيت وكلفته، والجمارك، والرسوم المفروضة على البضائع اللبنانية، إضافة إلى إمكان خفض رسوم العبور أو وقف استيفائها عند عودة الشاحنات فارغة.
في المقابل، يحضر ملف الطاقة عبر الاتفاقات الثلاثية بين لبنان وسوريا والأردن لاستجرار الغاز والكهرباء، بعد التوصل إلى اتفاق للتعاون في ملف تبادل الغاز عقب استكمال التحضيرات الفنية وإبرام العقود وإجراء دراسات لإصلاح شبكات نقل الغاز.
اللاجئون والعودة الطوعية
يبقى ملف اللاجئين السوريين حاضرًا بقوة في الحسابات اللبنانية، نظرًا لتأثيره الاقتصادي والاجتماعي. وتعمل الحكومة اللبنانية على تسريع مسار العودة الطوعية بالتنسيق مع الحكومة السورية، بالتوازي مع خطوات يقودها الأمن العام اللبناني لتنظيم عمليات العودة.
لكن وتيرة العودة لا تزال محدودة، بسبب تحديات مرتبطة بالأمن والسكن وفرص العمل داخل سوريا.
واشنطن والجنوب في الخلفية
تتزامن زيارة دمشق مع تحضير لبنان لجولة ثالثة من المحادثات مع إسرائيل في واشنطن يومي 14 و15 مايو، برعاية أميركية.
وبحسب بيان الخارجية الأميركية، تهدف المحادثات إلى إحراز تقدم نحو اتفاق شامل للسلام والأمن، وترسيم الحدود، وخلق مسارات للإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار في لبنان.
ميدانيًا، شهد الجنوب تصعيدًا بعد إعلان حزب الله، للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار، إطلاق صواريخ داخل الأراضي الإسرائيلية.
هكذا تتحرك بيروت على خطين متوازيين، ترتيب ملفاتها الثقيلة مع دمشق، والاستعداد لاختبار تفاوضي حساس في واشنطن. وفي الحالتين، تبدو الدولة اللبنانية أمام سؤال واحد، هل تنجح في تحويل الضغوط إلى مكاسب عملية، أم تبقى أسيرة الحدود المفتوحة والجبهات المفتوحة؟





