لم تعد الهجمات التي تستهدف المصالح الأميركية في العراق مجرّد ضربات متفرقة تنفذها فصائل مسلحة بين حين وآخر، بل تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى ما يشبه حرب استنزاف مفتوحة تمتد من بغداد إلى أربيل، وتضع الدولة العراقية نفسها أمام اختبار صعب بين ضغوط واشنطن ونفوذ الفصائل المدعومة من إيران.

وبينما تتحدث الولايات المتحدة، بحسب تقرير نشرته شبكة إن بي سي نيوز، عن أكثر من 600 هجوم استهدف منشآت دبلوماسية وعسكرية أميركية داخل العراق منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، تبدو بغداد عاجزة عن كبح جماح الجماعات المسلحة التي أصبحت جزءا من المشهد الأمني والسياسي الرسمي في البلاد.

وبحسب مسؤولين أميركيين نقلت عنهم إن بي سي نيوز، فإن الهجمات لم تعد تقتصر على القواعد العسكرية، بل طالت السفارة الأميركية في بغداد، ومراكز الدعم الدبلوماسي، ومنشآت الطاقة، وحتى مقرات أمنية عراقية، في وقت تتهم واشنطن طهران باستخدام الفصائل العراقية كأداة لفرض نفوذها الإقليمي.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

الفصائل العراقية.. من قوة لمحاربة داعش إلى شبكة نفوذ إيرانية

بحسب تحليل نشره معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، تأسست قوات الحشد الشعبي عام 2014 بعد اجتياح تنظيم داعش لمساحات واسعة من العراق، حيث لعبت الفصائل المسلحة دورا أساسيا في استعادة الأراضي إلى جانب التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. لكن الحكومة العراقية لم تقم بحل هذه الفصائل بعد انتهاء الحرب ضد التنظيم عام 2017، بل جرى دمجها تدريجيا داخل مؤسسات الدولة الأمنية.

ويشير تقرير معهد واشنطن إلى أن الحشد الشعبي يضم اليوم أكثر من 238 ألف مقاتل، ويحصل على ميزانية سنوية تبلغ 3.6 مليارات دولار، موزعة على أكثر من 70 فصيلا، من بينها جماعات تصنفها واشنطن "منظمات إرهابية" مثل عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وحركة النجباء. كما أن بعض هذه الجماعات يمتلك أذرعا سياسية تشارك داخل الحكومة والبرلمان العراقي.

وبحسب بيان صادر عن وزارة الخزانة الأميركية، فإن هذه الفصائل لا تعمل فقط كأذرع عسكرية، بل تدير أيضا شبكات اقتصادية معقدة مرتبطة بتهريب النفط والتمويل والتجارة.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، وفق البيان، إن "النظام الإيراني ينهب الموارد التي تعود للشعب العراقي"، مضيفا أن طهران تستخدم النفط العراقي لتمويل "الإرهاب ضد الولايات المتحدة وشركائها".

وفرضت واشنطن، بحسب وزارة الخزانة الأميركية، عقوبات على نائب وزير النفط العراقي علي معارج البهادلي، متهمة إياه باستخدام منصبه لتسهيل تهريب النفط لصالح إيران وميليشيات موالية لها، عبر خلط النفط الإيراني بالنفط العراقي وتصديره بوثائق مزورة. كما فرضت عقوبات على قادة في عصائب أهل الحق وكتائب سيد الشهداء.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية إن بعض قيادات الفصائل شاركت بشكل مباشر في تهريب النفط والتنسيق مع "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى استخدام شركات ومشاريع حكومية كغطاء للأنشطة المالية الخاصة بالفصائل.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

600 هجوم ضدّ المصالح الأميركية

بحسب تقرير نشرته شبكة إن بي سي نيوز، تعرّضت المنشآت الأميركية في العراق لأكثر من 600 هجوم منذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية ضدّ إيران. وشملت الهجمات ضربات بطائرات مسيرة وصواريخ استهدفت السفارة الأميركية في بغداد، ومركز الدعم الدبلوماسي قرب مطار بغداد، والقنصلية الأميركية في أربيل.

وقالت السفارة الأميركية في بغداد هذا الأسبوع، بحسب إن بي سي نيوز، إن "الميليشيات تواصل التخطيط لهجمات إضافية ضد مواطنين أميركيين وأهداف مرتبطة بالولايات المتحدة في مختلف أنحاء العراق"، داعية الأميركيين إلى مغادرة البلاد.

وأظهرت مقاطع مصورة نشرتها وسائل إعلام أميركية، بينها إن بي سي نيوز، تصاعد أعمدة الدخان من منشآت قرب مطار بغداد بعد ضربات نفذت في أبريل، إضافة إلى اندلاع حريق على سطح السفارة الأميركية في مارس عقب هجوم بطائرات مسيرة.

أما معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى فأشار إلى أن الهجمات شملت أيضا أهدافا داخل العراق نفسه، من بينها فندق الرشيد في بغداد الذي يضم بعثات دبلوماسية، إضافة إلى استهداف مقر جهاز المخابرات العراقي بطائرة مسيرة، ما أدى إلى مقتل ضابط عراقي. ونقل التقرير عن متحدث باسم كتائب حزب الله اتهامه ضباطا أكرادا داخل الجهاز بالعمل لصالح الموساد والولايات المتحدة.

وتقول الولايات المتحدة، بحسب معهد واشنطن، إن بعض هذه الفصائل تطالب علنا بطرد القوات الأميركية من العراق. فقد أصدرت كتائب حزب الله إنذارا في مارس طالبت فيه الولايات المتحدة بإغلاق سفارتها وسحب قواتها خلال ٥ أيام، قبل تمديد المهلة لاحقا مع استمرار التصعيد الإقليمي.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

أربيل تتحول إلى ساحة مواجهة

في شمال العراق، يبدو المشهد أكثر حساسية. فبحسب دراسة صادرة عن جينسا بعنوان "الهجمات الإيرانية على كردستان العراق تهدد شراكة أميركية حيوية"، تعرّض إقليم كردستان العراق منذ أواخر فبراير وحتى أبريل إلى ما لا يقل عن 809 هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة، نفذتها إيران وفصائل عراقية موالية لها.

واستهدفت بعض الضربات، بحسب تقرير جينسا، منزل رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، إضافة إلى قواعد للبيشمركة ومنشآت نفطية وحقول غاز قرب أربيل. كما قتل عدد من المدنيين والمقاتلين الأكراد خلال هذه الهجمات.

ويرى تقرير جينسا أن إيران تحاول من خلال هذه الهجمات دفع إقليم كردستان، الذي يعد أحد أقرب شركاء واشنطن في العراق، إلى التخلي عن تحالفه مع الولايات المتحدة، وإضعاف آخر منطقة عراقية لم تتمكن الفصائل الموالية لطهران من اختراقها سياسيا واقتصاديا بشكل كامل.

ويشير التقرير إلى أن القوات الأميركية المتمركزة في قاعدة حرير ومطار أربيل أصبحت تمثل آخر وجود عسكري أميركي فعلي داخل العراق بعد الانسحاب التدريجي من بقية المناطق. كما أنّ شركات أميركية كبرى مثل شيفرون وإكسون موبيل تمتلك استثمارات ضخمة داخل الإقليم، ما يجعل استقرار المنطقة جزءا من المصالح الاستراتيجية الأميركية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

واشنطن تضغط.. وبغداد تتردد

بحسب إن بي سي نيوز، مارست إدارة ترامب ضغوطا مباشرة على رئيس الوزراء العراقي المكلف، علي الزيدي، لاتخاذ خطوات حقيقية ضد الفصائل المسلحة. وقال مسؤول أميركي كبير إن واشنطن تريد "أفعالا لا أقوالا"، مضيفا أن هناك "خطا ضبابيا جدا حاليا بين الدولة العراقية وهذه الميليشيات".

وطالبت واشنطن، وفق ما أورده معهد واشنطن، الحكومة العراقية بتفكيك الجماعات الموالية لإيران وقطع التمويل والدعم السياسي واللوجستي عنها، بينما حذر مسؤولون أميركيون من أن استمرار الوضع الحالي يعني تحول العراق تدريجيا إلى نموذج شبيه بلبنان، حيث تمتلك الجماعات المسلحة نفوذا يتجاوز سلطة الدولة نفسها.

لكن بغداد تبدو مترددة في مواجهة هذه الجماعات. فقد نقل معهد واشنطن عن وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين قوله إنه غير واثق من قدرة الحكومة على السيطرة على الفصائل إذا تحول الأمر إلى مواجهة عسكرية مباشرة، متسائلا عمن يمتلك فعليا ميزان القوة داخل العراق: الدولة أم "الحشد الشعبي".

ويرى خبراء أميركيون، بحسب تقارير معهد واشنطن وجينسا، أن العراق يقف حاليا عند "مفترق طرق جديد"، حيث أصبحت الدولة العراقية ممزقة بين حاجتها إلى العلاقات مع واشنطن والدعم الغربي، وبين نفوذ الفصائل المرتبطة بطهران داخل مؤسساتها الأمنية والسياسية والاقتصادية.

كما تحذر تقارير أميركية، بينها دراسة جينسا، من أن أي انسحاب أميركي كامل من العراق قد يمنح إيران نصرا استراتيجيا طويل الأمد، ويحول العراق بالكامل إلى ساحة نفوذ خاضعة للحرس الثوري والفصائل المتحالفة معه.