انتظرت الحكومة الإسرائيلية أسبوعا للتعليق على الهجوم على راهبة فرنسية في القدس من قبل أحد المتطرفين الإسرائيليين، مكتفية بإدانة الاعتداء وتوقيف المشتبه به، مقللة من حجم الظاهرة من دون أن تنجح في طمأنة المجتمعات المسيحية، وفق صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية.
وكانت راهبة فرنسية من رهبانية الدومينيكان، تسير قرابة السادسة مساء من يوم الثلاثاء المصادف 28 أبريل، بمحاذاة السور الجنوبي للبلدة القديمة في القدس، عندما ظهر متطرف إسرائيلي فجأة خلفها وصدمها بعنف وأطاح بها أرضا، ليبتعد ثوان ثم يعود مسرعا ويوجه لها ركلة في الوجه بينما كانت ما تزال على الأرض، كما أظهرت كاميرات المراقبة في المنطقة.
المشهد أثار ردود فعل واسعة في فرنسا والعالم، ووضع إسرائيل في موقف محرج.
وأفادت الصحيفة الفرنسية نقلا عن بيانات "مركز روسينغ"، أن الاعتداءات على المسيحيين في القدس ارتفعت بشكل كبير، وتشمل البصق والإهانات والضرب، وتحدث في شكل علني، أكثر من السابق.
وبحسب الصحيفة فإن ارتفاع الاعتداءات يعكس صعود خطاب ديني قومي متشدد، مشبع بفكرة تفوق يهودي يرفض أي وجود غير يهودي في "الأرض المقدسة" بحسب المزاعم.
إسرائيل وصورتها على الساحة الدولية
إسرائيل، التي أصبحت أكثر عزلة على الساحة الدولية، منذ الحرب على غزة ولبنان وحتى الضفة الغربية، تدرك أن جزءا من الرأي العام في دول كثيرة، يتفاعل بقوة مع ما يتعرض له المسيحيون في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
يقول الراهب أوليفييه بوكيو، مدير المدرسة الكتابية في القدس، حيث كانت الراهبة تعمل باحثة: "لحسن الحظ، تم تجنّب الأسوأ، والراهبة لم تُصب إلا بجروح طفيفة، لكنها ما تزال في حال من الصدمة الشديدة".
وكان الرأي العام قد صُدم قبل أيام بصورة لجندي إسرائيلي يحاول قطع رأس تمثال للسيد المسيح في بلدة "دبل" بجنوبي لبنان. وفي 29 مارس الفائت، منعت الشرطة الإسرائيلية بطريرك القدس اللاتيني من دخول كنيسة القيامة للاحتفال بقداس أحد الشعانين.
والأربعاء، نقلت هيئة البث الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي يفحص مقطعا جديدا انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي يُظهر تعديا على تمثال للسيدة مريم العذراء من قبل أحد الجنود الإسرائيليين في بلدة دبل الجنوبية للمرة الثانية في أقل من شهر.
مصدر دبلوماسي أوروبي قال لصحيفة "لوفيغارو": "هناك توتر واضح. هذه دعاية لا تحتاجها إسرائيل، خصوصا في هذا الوقت"، مضيفا "إسرائيل تواجه تراجعا في الدعم الدولي، حتى بين الجمهوريين الأميركيين. وهي حريصة جدا على الحفاظ على تأييد الناخبين الإنجيليين، الذين يهتمون كثيرا بمصير المسيحيين الشرقيين"، وفق ما نقلته "لوفيغارو".
ماذا فعلت إسرائيل؟
وفق الصحيفة، فإن مسؤولين إسرائيليين سارعوا إلى إدانة الاعتداء على الراهبة الفرنسية، كما أوقفت السطات المشتبه به الذي يبلغ 36 عاما، واصفة إياه بأنه مختل نفسيا، ناشرة فيديو لتوقيفه.
وقال وزير الخارجية جدعون ساعر على منصة "إكس" إن "إسرائيل ملتزمة التزاما راسخا بحماية حرية الدين والعبادة لجميع الطوائف".
وقبل أيام، ظهر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في فيديو مع جنود مسيحيين من الجيش الإسرائيلي، وشدّد على أن "إسرائيل هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تزدهر فيها المسيحية وتنمو".
وفي 23 أبريل الفائت، عيّنت إسرائيل مبعوثا خاصا للعالم المسيحي في محاولة لإصلاح العلاقات المتوترة.
إلا أن الحكومة الإسرائيلية تحاول تصوير كل حادث على أنه "فردي" أو "من شخص مختل"، بينما تشير الوقائع إلى ظاهرة أعمق داخل المجتمع الإسرائيلي، وفق الصحيفة الفرنسية.
قلق متزايد خلف أسوار المدينة القديمة
لكن في ظل أسوار البلدة القديمة في القدس، يشعر رجال الدين المسيحيون بقلق متزايد، وفق "لوفيغارو" التي نقلت عن الأب نيكوديموس، رئيس دير رقاد العذراء، قوله: "المسيحيون في القدس كانوا دائما يتعرضون لمضايقات من المتطرفين اليهود، لكن في الأعوام الأخيرة، تجاوزت هذه الاعتداءات مستوى جديدا".
ويقول إن الرهبان توقفوا عن تقديم الشكاوى، مضيفا "لديّ جماعة أديرها، وليس لديّ وقت لأقضي 8 ساعات في مركز الشرطة من أجل لا شيء، لأن المعتدين لا يُعاقبون"، بحسب ما نقلته الصحيفة عنه.
على بعد مئات الأمتار من الدير، يعمل الأب أغهان غوكشيان، مستشار البطريركية الأرمنية، على تشديد العقوبات على المعتدين. وقد ذهب عام 2025 إلى الكنيست الإسرائيلي لعرض مقترحات تشريعية. وقال: "نريد عقوبات تدريجية، تبدأ بالغرامات وتصل إلى السجن في الحالات الأكثر خطورة".
الأب أغهان يشير إلى أن هناك رغبة متزايدة لدى المسيحيين في المغادرة. ووفقا لمركز روسينغ، فإن أكثر من نصف مسيحيي الأراضي المقدسة يفكرون في مغادرة إسرائيل أو القدس أو الأراضي الفلسطينية.
أما الأب جان لوك إيكر، رئيس إحدى الكنائس فيقول إنه بعد الاعتداء على الراهبة، نصح رهبانه بالحذر، مضيفا "نحن نتجنب وضع الصليب في البلدة القديمة، وبقدر الإمكان نتجنب المرور بالحي اليهودي في طريقنا إلى كنيسة القيامة".
وزراء حكومة نتنياهو السبب؟
أفادت "لوفيغارو" عن رجال الدين قولهم إن التحول الكبير بدأ عام 2023، عندما انضم وزراء يهود متطرفون إلى حكومة بنيامين نتنياهو، ومع صدمة أحداث 7 أكتوبر التي أطلقت خطابا أكثر تطرفا.
الأب نيكوديموس يذكّر بأن دير "طبغة" على بحيرة طبريا تعرض لهجوم عام 2015 من متطرفين يهود، وأن محامي المعتدين كان إيتمار بن غفير، الذي أصبح لاحقا وزير الأمن القومي.
ويقول: "لا تتخيل حجم العنف والكراهية التي عبّر عنها ضد المسيحيين خلال الجلسة. واليوم، هذا الرجل الذي أدين مرارا بالتحريض على الكراهية، هو وزير الأمن القومي، ورئيس الشرطة المفترض أن يحمينا".
الأب أغهان يقول إنهم يجدون باستمرار كتابات على الجدران تدعو إلى قتل غير اليهود.
وفي استطلاع أجراه مركز روسينغ في سبتمبر 2025 كشف أن 19% من اليهود الحريديم يؤيدون البصق على المسيحيين، و12% منهم اعترفوا بأنهم فعلوا ذلك.
كما أن 25% من الإسرائيليين يرون أن الدولة يجب أن تشجع هجرة المسيحيين العرب، وترتفع النسبة إلى 59% بين الحريديم.
ومن بين الشباب بين 18 و34 عاما، فقط 61% يرون أن للقدس أهمية للمسيحية، وفق "لوفيغارو".





