تمثل الزيارة الأخيرة للوفد السوري إلى القاهرة محطة مفصلية في مسار العلاقات بين البلدين، إذ جاءت بعد فترة من الانقطاع والجمود، وفي لحظة إقليمية تتبدل فيها موازين القوى.
وكان اللقاء الذي جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالرئيس السوري أحمد الشرع في قبرص، فتح الباب أمام تواصل مباشر، كان مؤجلاً منذ سقوط النظام السابق في دمشق، لتترجم الزيارة هذا الانفتاح وتمنحه طابعاً رسمياً يعكس رغبة الطرفين في إعادة بناء علاقة، لطالما لعبت دوراً محورياً في تاريخ المنطقة.
أول زيارة لوفد سوري رسمي إلى مصر
نائب رئيس تحرير صحيفة أخبار اليوم المصرية، الكاتب محمد مخلوف، أوضح لـ "بلينكس"، أن زيارة وزير الخارجية السوري إلى مصر تكتسب أهمية خاصة، لكونها أول زيارة ثنائية رسمية للقاهرة، وسبق للوزير السوري زيارة مصر إنما في إطار لقاءات جامعة الدول العربية.
سبب الزيارة "هو تعزيز التعاون بين البلدين، والتأكيد على دعم مصر الثابت لاستقرار سوريا واستعادة دورها في محيطها العربي، إضافة إلى معرفة التطورات الجديدة بخصوص الموقف السوري من مختلف الملفات، كما أن هذه الزيارة تؤسس لمرحلة أكثر انفتاحًا بين البلدين".
وينقل محمد مخلوف عن مصدر مصري مطلع "أن اللقاء كان مثمرا وجيدا وهناك اهتمام متبادل بين البلدين لتعزيز التعاون المشترك، بخاصة في المجال الاقتصادي والتجاري والاستثماري بما يخدم مصالح البلدين، وتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تطورات إيجابية في المجالين الاقتصادي والاستثماري".

محاذير أرجأت الزيارة
على الرغم من أهمية الزيارة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو عن سبب تأخر هذا الانفتاح حتى اليوم.
الإجابة تكمن في مجموعة من العوامل التي جعلت القاهرة تتحرك بحذر شديد خلال الفترة الفائتة:
- مصر كانت حذرت من خلفية بعض رموز السلطة الجديدة في سوريا، ومن ارتباطات سابقة لها بتركيا، التي تُعدّ في الرؤية المصرية، الحاضنة الأكبر لتنظيم "الإخوان".
- كما أثار وجود مصريين مطلوبين قرب بعض دوائر النفوذ في سوريا مخاوف أمنية دفعت القاهرة إلى تشديد إجراءات دخول السوريين لفترة من الزمن.
- إلى جانب ذلك، كان غياب الوضوح في المشهد السوري بعد سقوط النظام السابق عاملاً أساسياً في تأجيل أي خطوة رسمية بهذا المستوى.
مع ذلك، يبدو أن الزيارة نجحت في تذليل جزء من هذه المحاذير، وإن لم تُنهها بالكامل.
فالقاهرة انتقلت من مرحلة التحفظ الصارم إلى مرحلة الانفتاح الحذر، وهي تراقب عن كثب مدى استقلال القرار السوري عن أي نفوذ خارجي، وقدرة القيادة الجديدة على ضبط الجماعات المسلحة، والتزامها بعدم السماح لأي نشاط سياسي عابر للحدود يمكن أن يثير حساسية مصر.
وبذلك، يمكن القول إن المحاذير لا تزال قيد المعالجة، لكنها لم تعد عائقاً أمام التعاون.
دلالات الزيارة.. تنسيق وأمن
تحمل الزيارة أهمية سياسية واضحة، إذ تشير إلى أن القاهرة باتت تنظر إلى المرحلة السورية الجديدة باعتبارها واقعاً مستقراً يمكن التعامل معه، بعدما كانت تفضّل التريث في الأشهر الأولى التي تلت سقوط النظام السابق بسبب غموض المشهد الداخلي، وتعدد القوى المتنافسة.
كما تعكس رغبة مصر في استعادة موقعها التقليدي في الملف السوري، بعدما بقيت لفترة طويلة على هامش الترتيبات الإقليمية التي قادتها قوى عربية وأجنبية.
هذه الخطوة تندرج في سياق أوسع من التحولات التي تشهدها المنطقة، سواء فيما يتعلق بالعلاقات العربية البينية أو بالتطورات في ملفات لبنان والعراق والمفاوضات الدولية المتعلقة بقضايا الأمن الإقليمي.
أما على المستوى الأمني والعسكري، فإن الزيارة وإن لم تُعلن عن اتفاقات مباشرة، إلا أنها تحمل دلالات واضحة على وجود رغبة مشتركة في إعادة تفعيل قنوات التنسيق، خصوصاً في ما يتعلق بملف الجماعات المسلحة والمقاتلين الأجانب، وهو ملف لطالما أثار قلق القاهرة.
مصر تنظر إلى استقرار سوريا باعتباره جزءاً من أمنها القومي، وترى في الحفاظ على وحدة الجيش السوري ومؤسسات الدولة ضمانة أساسية لمنع تمدد الفوضى إلى الإقليم
ومن المتوقع أن يشهد التعاون الأمني تطوراً تدريجياً خلال المرحلة المقبلة، بما يتناسب مع حساسية الملفات المطروحة.
يقول مخلوف إن "القيادة المصرية أعلنت في شكل واضح رفضها الكامل التدخلات الخارجية في الشأن السوري، إضافة إلى التأكيد على ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية السورية ووحدة البلاد، بما يلبي تطلعات الشعب السوري المشروعة من أجل إرساء دعائم الاستقرار الداخلي الشامل.
تعاون اقتصادي
الجانب الاقتصادي كان حاضراً بقوة في الزيارة، إذ ضم الوفد السوري وزير الاقتصاد، ما يعكس إدراك دمشق والقاهرة أن الاقتصاد يمكن أن يكون المدخل الأكثر واقعية لإعادة بناء العلاقات الثنائية.
وسبقت الزيارة خطوات عملية تمثلت في زيارة وفد تجاري مصري إلى دمشق وتوقيع مذكرات تفاهم في مجالات الطاقة والغاز والصناعة.
ومن المتوقع أن يشهد التعاون الاقتصادي توسعاً يشمل إعادة تفعيل مجلس الأعمال السوري–المصري، وتسهيل التبادل التجاري، وفتح المجال أمام الشركات المصرية للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، إضافة إلى بحث فرص التعاون في مجالات النقل البحري وربط الموانئ وتطوير البنية التحتية.
كما يُرجح أن تُبحث مستقبلاً مشاريع أوسع في مجالات الطاقة والربط الكهربائي وخطوط الغاز، بما يتناسب مع موقع مصر كمركز إقليمي للطاقة.
وفي حديثه مع بلينكس، شدد نائب رئيس تحرير صحيفة أخبار اليوم المصرية، على أن الاقتصاد سيكون باباً لمزيد من التعاون، خصوصاً أنَّ هناك فرصاً حقيقية للتعاون، ولا سيما منها في مجالات إعادة الإعمار، والطاقة، والتجارة، وبناء القدرات، وهذا الباب يمكن أن يشكِّل مدخلاً عملياً لتعزيز الثقة المتبادلة.
تاريخ على وقع "رقصة الفالس"
لا يمكن قراءة الزيارة بمعزل عن التاريخ الطويل للعلاقات بين البلدين، الذي شهد مراحل من الوحدة والانفصال والجفاء، ثم التقارب خلال الحروب مع إسرائيل، قبل أن تعود القطيعة بعد توقيع مصر اتفاق السلام مع إسرائيل في العام 1979.
ومع مرور العقود، ظلّت العلاقة تتأرجح بين التقارب والابتعاد، إلى أن جاءت الحرب السورية الأخيرة، وما تبعها من تحولات لتضيف طبقة جديدة من التعقيد.
واليوم، تبدو القاهرة ودمشق أمام فرصة لإعادة صوغ علاقة جديدة تستفيد من الإرث التاريخي من دون أن تكون أسيرة له.
في المحصلة، تمثل زيارة الوفد السوري إلى مصر خطوة تأسيسية لمرحلة جديدة من العلاقات بين بلدين يشكلان ركيزتين أساسيتين في المشرق العربي.
فالسياسة والأمن والاقتصاد كلها عناصر حاضرة بقوة في هذا التقارب، والمستقبل يبدو مفتوحاً على إمكانات واسعة إذا نجح الطرفان في تجاوز ما تبقى من هواجس، وبناء شراكة قادرة على الإسهام في استقرار المنطقة في لحظة تحتاج فيها العواصم العربية إلى مزيد من التنسيق والتفاهم.





