تسحب وزارة الدفاع الأميركية نحو ٥ آلاف جندي من قواتها المتمركزة في الأراضي الألمانية خلال الأشهر المقبلة، في تطوّر يعكس حساسية العلاقة بين الولايات المتحدة وألمانيا.
ورغم أن الوزارة قدّمت القرار بوصفه جزءًا من "مراجعة للانتشار العسكري في أوروبا"، فإن توقيته وسياقه السياسي جعلاه يُترجم على نطاق واسع باعتباره رسالة اعتراض مباشرة على تصريحات المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، الذي اعتبر أن الولايات المتحدة تتعرض للإهانة في تعاملها مع إيران، وأنه لا يرى "استراتيجية واضحة" لواشنطن في إدارة الأزمة.
رسالة سياسية بامتياز
كشفت مصادر في الإدارة الأميركية أن تصريحات ميرتس أثارت استياءً كبيرًا في واشنطن، ووصفتها بأنها "غير بنّاءة" في لحظة تشهد فيها المنطقة توترًا متصاعدًا.
ورغم أن وزارة الدفاع حاولت تقديم القرار بلغة تقنية، فإن معظم التحليلات السياسية رأت فيه ردًّا سياسيًا مباشرًا على برلين، خصوصًا أن الإعلان جاء بعد ساعات قليلة من تصريحات ميرتس.
في هذا السياق، اعتبر رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي، السيناتور جاك ريد، أن القرار "خطأ استراتيجي خطير"، مضيفًا أن "تقليص الوجود العسكري الأميركي في ألمانيا في لحظة تتزايد فيها التهديدات الروسية والإيرانية هو "هدية مجانية للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين".
ويعكس هذا التصريح حجم القلق داخل المؤسسة التشريعية الأميركية من أن يُفهم القرار على أنه "إشارة ضعف" في مواجهة موسكو.
رغم الخفض.. ألمانيا في صدارة الانتشار الأميركي أوروبيًا
قبل القرار الأخير، كانت ألمانيا تستضيف بين ٣٤ و٣٦ ألف جندي أميركي موزعين على قواعد رئيسة مثل قاعدة رامشتاين الجوية، ومقر القيادة الأوروبية في شتوتغارت، ومقر قيادة الجيش الأميركي في فيسبادن، إضافة إلى منشآت عسكرية واسعة في كايزرسلاوترن وأنسباخ وبافاريا.
ومع تنفيذ الخفض الجديد، سيبقى في ألمانيا بين ٢٩ و٣١ ألف جندي، ما يعني أن البلاد ستظل تمثل أكبر مركز للوجود العسكري الأميركي في القارة الأوروبية.
أما على مستوى أوروبا عمومًا، فيقدَّر عدد القوات الأميركية المنتشرة في القارة بنحو ٨٠ إلى ٨٥ ألف جندي، مع تمركز عدد كبير في ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وبولندا ورومانيا ودول البلطيق.
ليست المرة الأولى.. سابقة في 2020
هذه ليست المرة الأولى التي تتخذ فيها واشنطن قرارًا بتقليص وجودها العسكري في ألمانيا.
ففي العام 2020، أعلن الرئيس الأميركي آنذاك دونالد ترامب خطة لسحب ١٢ ألف جندي من ألمانيا، مبرّرًا ذلك بأن برلين "لا تفي بالتزاماتها الدفاعية" داخل حلف شمال الأطلسي، في إشارة إلى نسبة ٢٪ من الناتج المحلي التي كان يطالب بها الحلفاء
لكن الخطة لم تُنفّذ، إذ قام الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، في العام 2021 بتجميد القرار، فور توليه السلطة، معتبرًا أن الوجود الأميركي في ألمانيا "مهم من أجل استقرار أوروبا"، ووافق لاحقًا على تعزيز القوات الأميركية في القارة العجوز، بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا.
اليوم، يعود ترامب إلى نهج تقليص الوجود العسكري، ولكن لأسباب مختلفة؛ ففي حين كان دافع العام 2020 مرتبطًا بملف الإنفاق الدفاعي، فإن قرار السنة الحالية مرتبط في شكل مباشر بتوتر سياسي مع برلين، على خلفية الحرب مع إيران.
وجود قديم بوظيفة جديدة.. لماذا لم تغادر أميركا أوروبا؟
الوجود العسكري الأميركي في أوروبا يعود إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين بدأت الولايات المتحدة في إنشاء قواعد دائمة لضمان استقرار القارة ومنع عودة النزاعات الكبرى.
ومع تأسيس حلف شمال الأطلسي في 1949، أصبح هذا الوجود جزءًا من بنية الردع الغربية في مواجهة الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة.
عدد القوات الأميركية في أوروبا بلغ ذروته في الخمسينيات والستينيات، حين تجاوز الـ٤٠٠ ألف جندي. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، تراجع العدد تدريجا إلى ما بين ٦٠ و٨٠ ألفًا، مع الحفاظ على ألمانيا كمركز قيادة ولوجستيات.
تستمر هذه القوات اليوم في أداء أدوار تشمل:
- ردع روسيا وتعزيز أمن الجناح الشرقي للحلف
- دعم العمليات الأميركية في الشرق الأوسط وأفريقيا
- تنسيق القيادة المشتركة عبر مقرات القيادة الأوروبية والقيادة الأفريقية.
هل يغيّر القرار ميزان القوة في أوروبا؟
من الناحية العسكرية، لا يُتوقع أن يؤدي سحب ٥ آلاف جندي إلى تغيير جذري في ميزان الردع داخل أوروبا، خصوصًا أن وزارة الدفاع الأميركية أكدت أن القرار "لن يؤثر على الأمن الأوروبي" إنما من الناحية السياسية، يُنظر إلى الخطوة باعتبارها رسالة ضغط واضحة على برلين، وتذكيرًا بأن الوجود العسكري الأميركي ليس ثابتًا، وأن الخلافات السياسية يمكن أن تنعكس مباشرة على الانتشار العسكري.
يمثّل قرار سحب ٥ آلاف جندي أميركي من ألمانيا لحظة مفصلية في العلاقات الأميركية- الألمانية، فهو ليس مجرد إعادة تموضع عسكري، إنما إشارة سياسية قوية إلى أن واشنطن لم تعد تتسامح مع الانتقادات العلنية من حلفائها.
مع بقاء عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين في ألمانيا وأوروبا، يبقى السؤال المطروح، هل تتجه العلاقة عبر الأطلسي إلى إعادة ضبط جديدة، أم إلى مزيد من التوتر؟





