في قلب برج لندن، خلف واجهات زجاجية سميكة وتحت مراقبة دائمة، تُعرض واحدة من أكثر جواهر العالم إثارة للجدل. تبدو الألماسة صغيرة نسبيا مقارنة بالضجيج الذي يحيط بها، لكنها تحمل في داخلها تاريخا ثقيلا من الحروب والتحولات السياسية.
إنها "كوه-ي-نور"، أو "جبل النور"، التي لم تعد مجرد قطعة فاخرة ضمن التاج البريطاني، بل تحولت إلى رمز لصراع مفتوح بين الذاكرة الاستعمارية ومطالب العدالة التاريخية.
عاد هذا الجدل إلى الواجهة مؤخرا، ليس عبر قرار رسمي أو تحرك دبلوماسي، بل من خلال تصريح أدلى به رئيس بلدية نيويورك، زهران ممداني، عندما قال إنه سيشجع الملك تشارلز الثالث على إعادة الألماسة، بحسب أوردته صحيفة لو تان. ورغم بساطة التصريح، فقد أعاد إحياء نقاش ظل كامنا لعقود، وفتح المجال مجددا لإعادة النظر في واحدة من أكثر قضايا الإرث الاستعماري حساسية.
رحلة عبر الدم والإمبراطوريات
لا يمثل تاريخ "كوه-ي-نور" مجرد انتقال حجر كريم بين الملوك، بل يعكس مسارا طويلا من الصراعات والتحولات السياسية. وتشير روايات تاريخية إلى أنها استخرجت من جنوب الهند قبل آلاف السنين، لكنها لم تعرف الاستقرار منذ ذلك الحين، إذ تنقلت بين أباطرة المغول، وشاهات فارس، وقادة أفغان، وكانت في كل مرة جزءا من غنيمة حرب أو نتيجة لتغير موازين القوة.
ويورد كتاب "كوه-ي-نور: تاريخ أشهر ألماسة في العالم" للكاتبين ويليام دالريمبل وأنيتا أناند، أن مسيرة الألماسة ارتبطت بالعنف، حيث انتقلت "عبر الغزو والخيانة والقتل"، لتتحول إلى ما يشبه "رمزا تاريخيا للهيمنة في شبه القارة الهندية". كما يعرض الكتاب تفاصيل لافتة، من بينها قصة ملك أفغاني أخفاها داخل جدار زنزانته، قبل أن يعثر عليها لاحقا رجل دين استخدمها دون إدراك لقيمتها كأداة توضع فوق الأوراق لمنعها من التطاير.
لكن التحول الأبرز في مسار الألماسة جاء عام 1849، عندما استحوذت عليها الإمبراطورية البريطانية. ففي ذلك الوقت، كان المهراجا دليب سينغ، حاكم إمبراطورية السيخ في البنجاب، لا يزال طفلا في العاشرة من عمره، وأجبر خلال مراسم رسمية في لاهور على توقيع معاهدة تنازل بموجبها عن إمبراطوريته وعن الألماسة لصالح الملكة فيكتوريا. ومنذ تلك اللحظة، أصبحت "كوه-ي-نور" جزءا من التاج البريطاني، وانتقلت من كونها غنيمة حرب إلى رمز إمبراطوري.
من جوهرة إلى قضية سياسية
مع نهاية الحكم البريطاني في الهند عام 1947، تحولت الألماسة إلى قضية سياسية. فقد طالبت الهند باستعادتها باعتبارها جزءا من تراثها الثقافي، وانضمت إلى هذا المطلب لاحقا باكستان وإيران وأفغانستان، حيث يستند كل طرف إلى رواية تاريخية مختلفة لتأكيد أحقيته بها.
وفي الهند، تُقدَّم "كوه-ي-نور" في المناهج الدراسية كرمز للنهب الاستعماري، ما جعلها قضية حساسة سياسيا وشعبيا. كما أكدت الحكومة الهندية في أكثر من مناسبة سعيها لاستعادتها عبر القنوات الدبلوماسية، في حين لجأ بعض النشطاء إلى المسارات القانونية الدولية لطرح القضية.
في المقابل، ترفض بريطانيا هذه المطالب، وتؤكد أن الألماسة حصلت عليها بشكل قانوني بموجب معاهدة معترف بها آنذاك، كما تستند إلى قوانين محلية تمنع إعادة القطع الموجودة ضمن مجموعات المتاحف.





