في بلدة برج رحال، يجلس مهدي مع عائلته في حديقة خضراء، يتمسكون بروتين يومي بسيط بينما الحقائب جاهزة عند الباب، في انتظار لحظة قد تفرض عليهم الهروب مجددا.

هذا المشهد الذي يوثقه تقرير إل باييس لا يعكس حالة فردية، بل واقع آلاف العائلات في الجنوب اللبناني، حيث تحوّلت الحياة اليومية إلى تمرين دائم على النزوح، والهدوء الظاهر إلى استراحة قصيرة بين جولات القتال.

لا تمنح الهدنة القائمة السكان شعورا حقيقيا بالأمان، بقدر ما تعزز قناعة بأن الحرب قد تعود في أي لحظة. وبينما يحاول البعض استعادة تفاصيل حياتهم، يبقي الجميع على حقائبهم جاهزة، في ظل غياب أي حل سياسي واضح، واستمرار التصعيد العسكري بشكل متقطع، ما يجعل الجنوب يعيش حالة انتظار ثقيل بين الاستقرار المؤقت والانفجار المحتمل.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

الجنوب بين العودة المؤقتة والنزوح الدائم

في 2 مارس، اضطر السكان إلى الفرار بشكل مفاجئ، "بملابسهم فقط"، كما يروي مهدي، بعد تجدد المواجهات.

ورغم عودة بعضهم خلال الهدنة، فإن هذه العودة بقيت مؤقتة وهشة. يشير تقرير إل باييس إلى أن أكثر من 1.2 مليون شخص نزحوا، أي نحو خُمس سكان لبنان، فيما دمرت قرى كاملة وتحولت إلى مناطق شبه خالية.

يؤكد تقرير نشره CGTN هذا النمط، حيث نزح أكثر من 1.1 مليون شخص منذ مارس، بينهم مئات آلاف الأطفال، في وقت امتلأت الملاجئ الرسمية في مختلف أنحاء البلاد. ويشير التقرير أن العودة ليست نهاية النزوح، بل محطة مؤقتة بين موجتين من التهجير.

قرارات الإخلاء تعيد إشعال الخوف

لم تمنع الهدنة الجيش الإسرائيلي من إصدار أوامر إخلاء جديدة، إذ طلب من سكان 16 بلدة في الجنوب مغادرة منازلهم والتوجه شمالا نحو صيدا، مبررا ذلك بمخاطر مرتبطة بنشاط حزب الله. وتعيد هذه القرارات، التي تأتي رغم وقف إطلاق النار، زرع الخوف في نفوس السكان وتدفعهم لإعادة تجهيز حقائبهم مرة أخرى.

ويعكس هذا التصعيد الميداني هشاشة التفاهمات السياسية. فبينما يُفترض أن الهدنة تقلص العمليات العسكرية، تشير الوقائع إلى استمرار الضربات والإنذارات، ما يجعل أي استقرار مجرد وهم مؤقت.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

حياة داخل الملاجئ.. اكتظاظ ومعاناة يومية

في الداخل، تتحول المدارس إلى مراكز إيواء، والفصول إلى غرف نوم. إحدى النساء النازحات تصف الوضع بقولها: "الأمر يقتلك... كأنك سمكة أُخرجت من الماء".

ويوضح مدير أحد الملاجئ حجم الضغط قائلا إن المبنى المصمم لاستيعاب 200 شخص يضم نحو 300، وقد وصل العدد أحيانا إلى 400، مع نقص في المرافق الأساسية مثل الحمامات.

تؤكد الأمم المتحدة بدورها هذا الضغط، إذ تشير إلى وجود نحو 117 ألف شخص في 631 ملجأ، ضمن إجمالي نازحين يتجاوز 1.1 مليون شخص . كما أن نحو 250 ألف شخص عبروا إلى سوريا منذ مارس، ما يشير إلى اتساع نطاق الأزمة خارج الحدود اللبنانية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

هدنة بلا استقرار.. تصعيد مستمر تحت السطح

رغم إعلان هدنة لمدة 10 أيام وتمديدها لاحقا، فإن التقارير الأممية تشير إلى أن الوضع "لا يزال هشا"، مع استمرار القيود على العودة إلى القرى جنوب الليطاني بسبب العمليات العسكرية والألغام والدمار. كما أن نحو 26٪ فقط من النازحين حاولوا العودة مؤقتا، وغالبا بهدف تفقد منازلهم قبل العودة إلى الملاجئ .

في الميدان، لا تزال الاشتباكات مستمرّة حيث أعلن الجيش الإسرائيلي عن تدمير أكبر نفق لحزب الله في الجنوب، في عملية رافقها إنذار واسع للسكان، كما تم رصد إطلاق طائرات مسيرة واعتراضات جوية خلال فترة الهدنة، بحسب صحيفة يديعوت أحرنوت.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

اقتصاد منهك ومستقبل غامض

بعيدا عن القصف، يدفع السكان ثمنا اقتصاديا قاسيا. لم يتمكن مهدي، الذي يعمل في الزراعة، من العودة إلى حقوله إلا بعد أسابيع، ليجدها متضررة، بحسب إل باييس. وجاد، صاحب مخبز في برج رحال، يصف الحياة بأنها "يوم بيوم"، في ظل غياب أي استقرار اقتصادي.

وتمتد الأزمة أيضا إلى الخدمات الأساسية، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة إلى تضرر البنية التحتية، بما في ذلك الجسور الحيوية مثل جسر القاسمية، ما يعطل الحركة والمساعدات الإنسانية. كما تعاني المراكز الصحية من الإغلاق الجزئي، مع استمرار العمل في 21 مركزا فقط من أصل 26.

على هذا الوقع، يعيش الجنوب اللبناني حالة "لا حرب ولا سلم". الناس عادوا إلى قراهم، لكنهم لم يعودوا إلى حياتهم. الحقائب جاهزة، والملاجئ مكتظة، والهدنة قائمة شكليا فقط.