مع حلول منتصف الليل، دخلت الهدنة بين إسرائيل ولبنان حيز التنفيذ، لكن التصريحات الرسمية سرعان ما بددت أي انطباع بنهاية الحرب. إذ قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن العمليات العسكرية ضد حزب الله "لم تنته بعد"، محذرا السكان العائدين إلى جنوب لبنان من أنهم قد يضطرون للنزوح مجددا إذا استؤنف القتال، مؤكدا أن "المناورة البرية والضربات حققت مكاسب كثيرة، لكنها لم تنته بعد".
على الأرض، عكست المشاهد هذا التناقض بوضوح. في جنوب لبنان، اندفعت آلاف العائلات النازحة نحو قراها، على أمل العودة بعد أسابيع من القتال، لكن الطريق لم يكن سالكا. الجسور التي دمرتها الضربات فوق نهر الليطاني حوّلت العودة إلى رحلة شاقة، حيث اضطرت السيارات إلى المرور عبر ممر ترابي ضيق، ما أدى إلى اختناق مروري امتد لأكثر من كيلومترين، فيما قال أحد العائدين: "سنصل إلى منازلنا حتى لو اضطررنا للمشي".
في المقابل، لم يكن وقف إطلاق النار محل إجماع في إسرائيل. ففي الشمال، انتقد بعض السكان الهدنة بشدة، معتبرين أنها لا تزيل تهديد حزب الله، حيث كتب رئيس بلدية مستوطنة ميتولا ديفيد أزولاي أن الحكومة "تهتم بمصالح أميركا أكثر من مواطنيها". ورغم ذلك، شعر آخرون بالارتياح بعد أسابيع من القصف، خاصة أن الصواريخ استمرت حتى اللحظات الأخيرة قبل دخول الهدنة حيز التنفيذ، ما أدى إلى إصابة مدنيين في مدينة نهاريا، في مؤشر على أن الحرب توقفت سياسيا لكنها لم تهدأ ميدانيا إلا في اللحظة الأخيرة
بهذا المشهد المتداخل بين التحذيرات الرسمية واندفاع المدنيين، بدأت هدنة الـ١٠ أيام: بين أمل العودة، وخوف من جولة جديدة، واتفاق يبدو أنه فُرض تحت ضغط السياسة أكثر مما صاغته نتائج المعركة.. فكيف وصل لبنان إلى الهدنة؟
تفاصيل الهدنة.. اتفاق مؤقت بشروط معقدة
بحسب تقرير صادر عن صحيفة واشنطن بوست، جاءت الهدنة نتيجة اتفاق مدعوم من الولايات المتحدة، أعلن عنه الرئيس دونالد ترامب، ودخل حيز التنفيذ لوقف القتال لمدة ١٠ أيام.
ينص الاتفاق على وقف مؤقت للعمليات، مع بقاء القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية ضمن ما وصفه بنيامين نتنياهو بـ"منطقة عازلة أمنية".
يعكس هذا البند، حسب التقرير، أن الهدنة ليست انسحابا ولا نهاية للحرب، بل إعادة تموضع مؤقت يتيح لإسرائيل الحفاظ على مكاسبها الميدانية.
كما طرح نتنياهو الهدنة كفرصة لفتح مسار سياسي أوسع، مشيرا إلى إمكانية التوصل إلى "اتفاق سلام تاريخي"، في محاولة لتأطير القرار ضمن إنجاز استراتيجي وليس مجرد توقف اضطراري.
لكن الاتفاق حمل منذ البداية عناصر هشاشة واضحة، أبرزها غياب الطرف الرئيسي في القتال، وهو حزب الله، ما جعل الالتزام به غير مضمون.
غياب حزب الله.. الهدنة بلا الطرف الرئيسي
تشير تقارير نيويورك تايمز و وول ستريت جورنال إلى أن حزب الله لم يكن جزءا مباشرا من المفاوضات، رغم كونه الطرف الأساسي في الحرب.
ويطرح هذا الغياب تساؤلات حول قدرة الهدنة على الصمود، إذ إن الحزب أقرّ بها من دون أن يوضح التزامه بها، مؤكدا أن موقفه سيكون "بناء على كيفية تطور الأحداث"، ما يترك الباب مفتوحا أمام احتمالات التصعيد.
كما أن استبعاده من المفاوضات قد يجعل أيّ اتفاق طويل الأمد صعب التحقيق، لأن الواقع العسكري في الجنوب اللبناني لا يمكن فصله عن دور الحزب، بحسب وول ستريت جورنال.
كيف فُرضت الهدنة.. ترامب في موقع الحكم
بحسب هآرتس، لم يكن قرار وقف إطلاق النار نتيجة تفاوض متوازن، بل جاء نتيجة ضغط مباشر من الرئيس الأميركي، الذي أصبح "الحكم الوحيد" في مسار القرار.
يشير التقرير إلى أنّ نتنياهو لم يكن لديه هامش واسع للمناورة، وأن إسرائيل أوقفت الحرب وهي تحقق "نصف أهدافها فقط"، ما يعكس فجوة بين الطموح العسكري والنتيجة السياسية.
كما يوضح أنّ القرار جاء ضمن سياق أوسع من التحركات الأميركية، خاصة المتعلقة بإيران، ما يعني أن الجبهة اللبنانية كانت جزءا من حسابات إقليمية أكبر.
الصفقة الأكبر.. ما الذي حصل عليه نتنياهو
تشير تحليلات يديعوت أحرونوت إلى أنّ الهدنة جاءت ضمن صفقة أوسع، حصلت فيها إسرائيل على مكاسب مقابل وقف القتال.
من بين هذه المكاسب، استمرار السيطرة على مواقع داخل جنوب لبنان، وتعهد أميركي بالعمل على نزع سلاح حزب الله، ما يمنح إسرائيل مكسبا سياسيا يتجاوز الإنجازات العسكرية المباشرة.
كما تشير التقارير إلى أن إسرائيل حققت مكاسب تكتيكية قبل وقف إطلاق النار، بما في ذلك السيطرة على مناطق استراتيجية وإضعاف قدرات الحزب.
إيران في قلب الصفقة.. الهدنة خارج لبنان
توضح تقارير أن الهدنة جاءت أيضا في سياق رغبة أميركية في تسهيل المفاوضات مع إيران، حيث كان استمرار القتال في لبنان يمثل عقبة أمام هذا المسار.
هذا يعني أن الجبهة اللبنانية لم تكن سوى جزء من معادلة أوسع، ترتبط بالملف النووي الإيراني وبالتوازنات الإقليمية.
كما تشير التقديرات إلى أن القيادة الإيرانية الجديدة أصبحت أكثر تشددا، ما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل أي تصعيد إضافي أكثر خطورة.
اتفاق مسبق.. هل كان كل شيء مخططا؟
بحسب تقرير نزيف، فإن الهدنة لم تكن وليدة اللحظة، بل نتيجة تفاهمات مسبقة بين ترامب ونتنياهو قبل أسبوع من إعلانها.
يشير التقرير إلى أنه تم منح إسرائيل وقتا لاستكمال عملياتها العسكرية، قبل الانتقال إلى المسار السياسي، ما يعني أن التصعيد والهدنة كانا جزءا من خطة واحدة.
الساعات الأخيرة.. سباق نحو الضربة الأخيرة
قبل دخول الهدنة حيز التنفيذ، كثفت إسرائيل ضرباتها بشكل كبير، مستهدفة مئات المواقع التابعة لحزب الله خلال 24 ساعة.
في المقابل، استمر إطلاق الصواريخ من لبنان حتى اللحظة الأخيرة، ما يعكس محاولة كل طرف تحقيق أكبر مكاسب ممكنة قبل توقف القتال.
ارتباك ميداني.. الجنود آخر من يعلم
تكشف المعطيات الميدانية أن قرار وقف إطلاق النار لم يكن منسقا بالكامل مع القوات على الأرض، ما خلق حالة من الارتباك داخل الوحدات العسكرية الإسرائيلية المنتشرة في جنوب لبنان، حسب قناة 14 الإسرائيلية.
بحسب تقرير لموقع ماكو، فإن ضباطا في الجيش الإسرائيلي أكدوا أنهم لم يتم إبلاغهم مسبقا بقرار الهدنة، وأنهم علموا بها من وسائل الإعلام ومنصات خارجية، وليس عبر القنوات العسكرية الرسمية.
دفعهم هذا الوضع إلى وصف الساعات التي سبقت دخول الهدنة حيز التنفيذ بأنها "الأكثر خطورة"، إذ وجد الجنود أنفسهم داخل أراض معادية من دون وضوح في قواعد الاشتباك، ما يعني أنهم كانوا معرضين لهجمات محتملة من دون غطاء عملياتي واضح.
كما أشار الضباط إلى أن التحدي الأكبر في تلك اللحظات لم يكن فقط التهديد الخارجي، بل الحفاظ على جاهزية القوات في ظل حالة الغموض، حيث أكدوا أنهم "يحاولون إبقاء الجنود في حالة تأهب"، رغم غياب التعليمات الدقيقة.
في الوقت نفسه، أوضح التقرير أنّ ٥ فرق عسكرية كانت لا تزال تعمل داخل جنوب لبنان، وتنتظر التعليمات بشأن كيفية التصرف في ظلّ الهدنة، ما يعكس أنّ القرار السياسي سبق الترتيبات العسكرية على الأرض.
ورغم الهدنة، أكد الجيش الإسرائيلي أنه سيواصل الاحتفاظ بالمناطق التي سيطر عليها، ولن يسمح بعودة السكان إلا ضمن ترتيبات متفق عليها، ما يعني أن الوضع على الأرض لم يتغير جذريا، بل دخل مرحلة جديدة من السيطرة الحذرة.
ثمن الهدنة.. دمار واسع وواقع جديد
تكشف البيانات المستندة إلى صور الأقمار الصناعية حجم الدمار الذي خلفته العمليات العسكرية في جنوب لبنان، حيث تم توثيق تدمير أكثر من 1400 مبنى منذ بداية مارس، وفق تحليل أجرته بي بي سي.
ويمثل هذا الرقم جزءا من الصورة، إذ يشير التقرير إلى أن الوصول المحدود إلى بعض المناطق، ونقص الصور المتاحة، يعني أن الحجم الحقيقي للدمار قد يكون أكبر بكثير.
لم يكن التدمير نتيجة ضربات عشوائية، بل شمل أيضا عمليات هدم ممنهجة، بعد أوامر صدرت بتسريع تدمير المنازل القريبة من الحدود، في إطار استراتيجية عسكرية تهدف إلى تغيير الواقع الجغرافي في المنطقة.
هذه العمليات، بحسب خبراء قانونيين نقل عنهم التقرير، قد ترقى إلى جرائم حرب، في حال لم تكن هناك ضرورة عسكرية واضحة تبرر هذا الحجم من التدمير، ما يفتح الباب أمام تداعيات قانونية محتملة.
في المقابل، أكد الجيش الإسرائيلي أنه يعمل وفقا لقوانين النزاعات المسلحة، وأن تدمير الممتلكات لا يتم إلا في حال وجود ضرورة عسكرية، مشيرا إلى أن حزب الله يستخدم البنية التحتية المدنية لأغراض عسكرية.
إلى جانب الدمار المادي، تشير الأرقام إلى نزوح واسع للسكان، حيث اضطر أكثر من مليون شخص إلى مغادرة منازلهم، معظمهم من جنوب لبنان، ما يعكس حجم التأثير الإنساني للحرب.
كما أن تدمير البنية التحتية، بما في ذلك الطرق والجسور، يجعل عودة السكان أكثر تعقيدا، حتى بعد وقف إطلاق النار، وهو ما ظهر بوضوح في مشاهد الازدحام عند محاولة العائلات العودة إلى قراها.





