بدأت واشنطن اختبارًا سياسيًا صعبًا على الجبهة اللبنانية، جمع لبنان وإسرائيل في أول محادثات مباشرة منذ ٣ عقود، بينما الحرب نفسها لم تتوقف.
فالاجتماع الذي رعاه ماركو روبيو أطلق مسار تفاوض جديدًا، لكنه كشف منذ البداية تضاربًا واضحًا في الأهداف، بيروت تريد وقفا لإطلاق النار ومعالجة الكلفة الإنسانية، وإسرائيل تريد نزع سلاح حزب الله، فيما الحزب يرفض التفاوض من أساسه ويواصل الحضور في الميدان.
ومع استمرار القصف وإطلاق الصواريخ بعد الاجتماع، هل المحادثات قادرة فعلاً على التقدم أسرع من الحرب.

"إنهاء دائم" لعقود من نفوذ حزب الله؟
في وزارة الخارجية الأميركية، جلس السفير الإسرائيلي، يحيئيل لايتر، والسفيرة اللبنانية، ندى حمادة معوض، وجهاً لوجه في لقاء استمر أكثر من ساعتين، وصفته واشنطن بوست بأنه "مجموعة عمل" لبحث وقف إطلاق النار، فيما قالت وزارة الخارجية الأميركية، بحسب بي بي سي وفرانس برس، إن الاجتماع شكّل أول تواصل رفيع المستوى من هذا النوع منذ عام 1993.
روبيو وصف اللحظة بأنها "فرصة تاريخية"، معتبراً، وفق نيويورك تايمز، أن المسار لا يتعلق بيوم واحد بل بـ"عملية" قد تفتح الطريق إلى "إنهاء دائم" لعقود من نفوذ حزب الله.
وفي ختام اللقاء، أعلنت واشنطن، بحسب واشنطن بوست، أن الجانبين اتفقا على إطلاق مفاوضات مباشرة في مكان وزمان يُتفق عليهما لاحقاً.
لكن اللغة الإيجابية لم تُخفِ حقيقة أن كل طرف دخل الاجتماع بسقف مختلف. فالسفيرة اللبنانية شددت، وفق واشنطن بوست وفرانس برس، على وقف إطلاق النار وعودة النازحين واتخاذ خطوات عملية للتخفيف من الأزمة الإنسانية، بينما تحدث السفير الإسرائيلي عن "تحرير لبنان" من حزب الله، وقال إن البلدين اكتشفا أنهما "في الجانب نفسه"، بحسب فورين بوليسي.

وقف النار أولاً.. أم نزع سلاح حزب الله؟
هنا ظهرت الفجوة الأساسية، فبحسب مكتب الرئيس اللبناني جوزيف عون، كما أوردت واشنطن بوست، يريد لبنان أن تبدأ العملية بوقف إطلاق النار، على أن تُستكمل لاحقاً بمفاوضات أطول أمداً، مع التشديد على سيادة الدولة ووحدة أراضيها.
أما إسرائيل، فكان موقفها، نزع سلاح حزب الله أولوية، وفق يورونيوز، فيما قال بنيامين نتنياهو، إن المحادثات يمكن أن تركز أيضاً على "علاقات سلمية" بين البلدين.
هذا التباعد لم يقتصر على بيروت وتل أبيب، فوفق نيويورك تايمز، تصر الولايات المتحدة وإسرائيل على أن مسار لبنان منفصل عن المحادثات التي أُجريت مع إيران في إسلام آباد، بينما تؤكد إيران وباكستان أن لبنان كان جزءاً من وقف إطلاق النار.
ونقلت القناة 12 الإسرائيلية عن مصادر دبلوماسية إيرانية أن وقف النار في لبنان "شرط وليس طلباً" لأي جولة جديدة مع واشنطن.

حزب الله غائب عن الطاولة.. حاضر في الميدان
الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم رفض المحادثات، ووصفها، بأنها خضوع أو عبث، فيما قال مسؤول كبير في الحزب لبي بي سي إنه (الحزب) "غير ملزم" بأي تسوية يتم الاتفاق عليها في واشنطن.
ولم يبقَ هذا الرفض سياسياً فقط. فبحسب فرانس برس، رصد الجيش الإسرائيلي نحو 30 صاروخا أُطلقت من لبنان باتجاه شمال إسرائيل صباح الأربعاء، غداة المحادثات.
كما قالت يورونيوز إن الحزب أعلن إطلاق رشقات صاروخية متزامنة على 13 بلدة بعد وقت قصير من بدء المناقشات.
وفي الوقت نفسه، استمرت الضربات الإسرائيلية، وأفادت فرانس برس بأن غارة استهدفت سيارة في السعديات على بعد نحو 20 كيلومتراً جنوب بيروت.
وفي الجنوب، نقلت القناة 14 الإسرائيلية أن قائد الكتيبة 52 في سلاح المدرعات أُصيب بجروح خطيرة خلال معارك في بنت جبيل، في مؤشر إضافي على أن الميدان لم يدخل بعد مرحلة التهدئة، حتى مع انطلاق المسار الدبلوماسي.
الانقسام في الداخل.. والثمن على اللبنانيين
في الداخل اللبناني، لا تبدو المحادثات محصنة سياسياً. فقد تحدثت نيويورك تايمز وواشنطن بوست عن احتجاجات لأنصار حزب الله وعن انقسامات حادة في بلد لا يملك موقفاً موحداً من الانخراط مع إسرائيل. وذهب تقرير DW أبعد من ذلك، إذ عرض جدلا واسعا حول رواية "مخطط انقلاب" مزعوم لحزب الله، قبل أن يؤكد أن أياً من الجهات المعنية لم يثبت هذه الرواية.
أما الكلفة، فبحسب وزارة الصحة اللبنانية، ارتفعت حصيلة القتلى حتى 14 أبريل إلى 2124 شخصاً. وتشير واشنطن بوست وبي بي سي إلى نزوح نحو مليون شخص، بينما نقلت فرانس برس أن خمس سكان لبنان نازحون حالياً.
وأفادت بلومبرغ، بأن لبنان وصندوق النقد الدولي يبحثان تمويلاً سريعاً يتراوح بين 800 مليون ومليار دولار لدعم الموازنة والاستجابة الإنسانية.





