تعد عمليات استعادة العناصر من خلف خطوط العدو، المعروفة عسكريا باسم "Personnel Recovery"، أحد أكثر مجالات الحرب الحديثة تعقيدا، إذ تجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والتكتيكات الميدانية والتنسيق متعدد الوحدات.
أنقذت قوات خاصة أميركية، الأحد، عنصرا من سلاح الجو كان مفقودا في إيران في مهمة شديدة الخطورة نُفذت في عمق أراض معادية بعد أن اختبأ داخل إيران في شق صخري لساعات طويلة، قبل أن يتمكن من إجراء اتصال مشفر مع قواته وإثبات هويته، بحسب وكالة رويترز.
وفي قلب هذه العمليات تبرز مهمة "البحث والإنقاذ القتالي" CSAR، التي لا تقتصر على تحديد موقع العنصر، بل تتطلب أيضا التأكد من هويته قبل تنفيذ عملية الاستخراج، وهو ما يعرف بعملية "المصادقة" أو Authentication.
وتكشف تقارير ميدانية عن منظومة متكاملة تبدأ ببقاء الفرد على قيد الحياة وتنتهي بعودته الآمنة، مرورا بمراحل دقيقة من التحقق والتواصل.
ما هي CSAR ودور المصادقة في العملية؟
تعرّف عمليات CSAR بأنها استخدام تكتيكات وتقنيات وقوات متخصصة لاستعادة أفراد مدرّبين في بيئة معادية، بحسب المنظمة الدولية للطيران التشبيهي.
وتندرج ضمن مفهوم أوسع هو Personnel Recovery، الذي يشمل الجهود العسكرية والدبلوماسية والمدنية لإعادة الأفراد المعزولين وإعادة دمجهم.
في هذا السياق، لا تبدأ عملية الإنقاذ مباشرة، بل تمر بمراحل أساسية تشمل الإبلاغ عن الحادث، تقييم الوضع، التخطيط، التنفيذ، ثم إنهاء المهمة.
وخلال هذه المراحل، تعد المصادقة خطوة محورية، إذ تنص العقيدة العملياتية على ضرورة تحديد والتأكد من هوية العناصر قبل تدخل قوات الإنقاذ.
الهدف من ذلك هو منع الوقوع في فخاخ العدو أو عمليات الخداع، خاصة في بيئات عالية التهديد، حيث يمكن للخصم اعتراض الاتصالات أو انتحال الهوية. لذلك، تصبح المصادقة شرطا مسبقا قبل إدخال المروحيات أو فرق الإنقاذ إلى منطقة العمليات.
كيف تتم المصادقة تقنيا وميدانيا؟
تتم المصادقة في عمليات CSAR عبر استخدام كلمات سر ميدانية ورموز يومية محددة، وأسئلة حول معلومات شخصية أو أرقام تحقق خاصة، إضافة إلى إشارات بصرية مثل الدخان والمشاعل والمرايا أو حتى شفرة مورس، مع إمكانية إجراء تحقق متبادل بين قوات الإنقاذ والعنصر المعزول قبل بدء الاستخراج، بحسب موقع Task Force Reeper.
وفق تقرير تقني ليديعوت أحرنوت حول عملية إنقاذ الطيار الأميركي في إيران، فإن الطيار كان يستخدم جهازا متقدما يعرف باسم CSEL، وهو جهاز اتصال عبر الأقمار الصناعية مدمج في معدات البقاء.
يقوم هذا الجهاز بإرسال إحداثيات الموقع ورسائل مشفرة بشكل مستمر باستخدام تقنيات تغيير التردد السريع، ما يجعل اعتراضها أو تعقبها من قبل العدو أمرا بالغ الصعوبة. كما يسمح بإرسال معلومات تحقق قصيرة يمكن مقارنتها ببيانات مخزنة مسبقا لدى القيادة.
لكن التجربة الميدانية أظهرت أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي. ففي العملية الأخيرة داخل إيران، اضطر الطيار المصاب إلى الاختباء في شق صخري وإجراء اتصال مباشر مع القوات الأميركية، تمكن خلاله من إثبات هويته، وهي خطوة حاسمة قبل تحريك قوة الإنقاذ.
كما واجهت العملية تحديات كبيرة، بينها تعطل طائرات نقل داخل إيران، ما كاد يترك عشرات من عناصر القوات الخاصة عالقين خلف خطوط العدو، قبل اتخاذ قرار سريع بإرسال طائرات إضافية لإجلائهم على دفعات.
وإلى جانب الاتصال، استخدمت القوات الأميركية إجراءات دعم إضافية، شملت التشويش على الأنظمة الإلكترونية وقصف الطرق المحيطة بموقع الطيار لمنع اقتراب القوات المعادية، ما يعكس تعقيد البيئة التي تتم فيها عمليات المصادقة والإنقاذ.
إلى جانب ذلك، قد تشمل المصادقة تبادل معلومات محددة عبر الراديو مثل نداء الاستغاثة MAYDAY متبوعا ببيانات تشمل النداء ونوع الطائرة والموقع والحالة ومعلومات تحقق خاصة.
كما تلعب الطائرات المساندة مثل AWACS وقادة المهام الجوية دورا في نقل بيانات المصادقة وتأكيدها بين العنصر المعزول وقوة الإنقاذ، إضافة إلى استخدام إشارات بصرية أو رموز متفق عليها مسبقا في حال تعذر الاتصال المباشر.
العلاقة بين التدريب SERE ونجاح المصادقة
تظهر تقارير وول ستريت جورنال أن نجاح المصادقة مرتبط بشكل مباشر بتدريب الأفراد على البقاء خلف خطوط العدو، خاصة ضمن برنامج SERE، والذي يعني البقاء على قيد الحياة والمراوغة والمقاومة والهروب.
لا يقتصر هذا التدريب على البقاء الجسدي، بل يشمل كيفية التواصل الآمن، تجنب كشف الموقع، وإدارة الاتصال مع قوات الإنقاذ. ويُدرّب الأفراد على إرسال إشارات محدودة ودقيقة لتقليل خطر الاكتشاف، مع الحفاظ على القدرة على إثبات هويتهم عند الحاجة.
كما يتعلم الطيارون كيفية العمل تحت الضغط، كما حدث في العملية الأخيرة، حيث اضطر الطيار إلى البقاء مختبئا وهو مصاب، مع الحفاظ على هدوئه وقدرته على التواصل وإرسال الإشارات الصحيحة.
وتكشف هذه العمليات أن المصادقة ليست مجرد خطوة تقنية، بل عنصر حاسم في نجاح أو فشل المهمة، إذ تمثل الحلقة التي تربط بين بقاء الفرد المعزول والتدخل العسكري، وتمنع الوقوع في كمائن أو أخطاء قاتلة في بيئات قتالية معقدة.





