بعد سنوات من متابعة سلوك دونالد ترامب في البيت الأبيض، خاصة خلال ولايته الثانية، يبدو أن ما يجري في الحرب على إيران ليس استثناء، بل امتداد لنمط تفاوضي راسخ، بحسب ما جاء في تقرير نشرته صحيفة إلموندو الإسبانية.

لا يدير الرئيس الأميركي الأزمات وفق مسار تقليدي، بل يعيد تطبيق أسلوبه القديم كرجل أعمال الذي يشمل صدمة مفاجئة، ثم تراجع محسوب، مع الحفاظ على حالة من الغموض تربك الخصوم والحلفاء على حد سواء.

وتقدّم الحرب في مضيق هرمز نموذجا واضحا لهذا النهج، حيث تختلط التهديدات العسكرية بالرسائل التفاوضية في إطار لعبة ضغط متعددة المستويات.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

مرحلة "الصدمة".. إعلان يهزّ الجميع

وفقا لصحيفة إلموندو، بدأ ترامب الأزمة بتهديد مباشر وصادم، معلنا مهلة 48 ساعة لإيران لفتح مضيق هرمز، وإلّا ستتعرض بنيتها التحتية للطاقة للتدمير الكامل.

لا يستهدف، بحسب الصحيفة، هذا النوع من التصريحات فقط الخصم، بل أيضا الأسواق والحلفاء، إذ يؤدّي إلى حالة فورية من القلق وعدم اليقين.

تشير الصحيفة إلى أنّ هذا الأسلوب استخدمه ترامب سابقا في الحروب التجارية، خاصة مع الصين، حيث كان يبدأ بقرارات مفاجئة وعنيفة، قادرة على هزّ الأسواق العالمية ودفع الأطراف الأخرى إلى إعادة حساباتها.

في الحالة الإيرانية، تحولت هذه "الصدمة" من أداة اقتصادية إلى تهديد عسكري مباشر، مع الحديث عن ضرب منشآت الطاقة وإغراق البلاد في الظلام.

التراجع الاستراتيجي.. انقلاب مفاجئ في الموقف

لكن هذه الصدمة لا تكون نهاية المسار، بل بدايته. بحسب وول ستريت جورنال، تراجع ترامب سريعا عن تهديده، معلنا تأجيل الضربات بعد محادثات غير معلنة عبر وسطاء إقليميين.

يمثّل هذا التحول، الذي قد يصل إلى 180 درجة، المرحلة الثانية من استراتيجيته: التراجع الظاهري مع الادعاء بأنّ الطرف الآخر خضع للضغط.

في خطابه، يكرر ترامب سردية ثابتة: "همّ من اتصلوا"، "هم من طلبوا الاتفاق"، حتى عندما تنفي طهران وجود مفاوضات مباشرة.

تكرر هذا النمط سابقا مع الرسوم الجمركية، ومع كندا وغرينلاند والصين، حيث يتم تعليق القرارات أو تعديلها مع تقديم ذلك كإنجاز تفاوضي.

الإرباك كأداة قوة.. بين السوق وساحة المعركة

تقوم المرحلة الثالثة في هذا النهج على الإرباك المستمرّ، حيث يصعب التمييز بين ما هو تهديد حقيقي وما هو مجرد تكتيك تفاوضي.

وفقا لتقرير صحيفة إلموندو، أصبح من الصعب على الأسواق وحتى الحلفاء فهم ما إذا كانت قرارات ترامب تعكس نية فعلية أم مجرد مناورة لكسب الوقت.

هذا الغموض ليس عرضيا، بل جزء من الاستراتيجية، إذ يخلق حالة من الضغط الدائم تدفع الخصوم إلى توقع الأسوأ.

وفي الوقت نفسه، يمنح واشنطن مساحة لإعادة التموضع ميدانيا، كما تشير نيويورك تايمز إلى دراسة نشر قوات إضافية في المنطقة، في موازاة الخطاب السياسي المتقلب.

في جوهر هذا الأسلوب، ينقل ترامب قواعد "فن الصفقة" من عالم الأعمال إلى ساحة الحرب: صدمة، ثم تراجع، ثم إرباك.

لكن الفارق هذه المرة أن أدواته لم تعد مجرد رسوم جمركية أو صفقات تجارية، بل القوة العسكرية الأكبر في العالم، ما يجعل نتائج هذه الاستراتيجية أكثر تعقيدا وخطورة على الاستقرار الدولي.