في أعقاب الضربات المشتركة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل واستهدفت قيادات ومراكز قيادة إيرانية، لم تتوقف العمليات العسكرية الإيرانية، بل اتجهت نحو نمط مختلف من الإدارة القتالية.
ويشير مراقبون إلى أن هذا التحول يعكس ما يُعرف بعقيدة "الدفاع الفسيفسائي"، التي تقوم على تقليل الاعتماد على القيادة المركزية في أوقات الحرب.
هذه العقيدة، التي طوّرتها إيران خلال العقدين الماضيين، تستند إلى فرضية مفادها أن استهداف القيادة العليا لا يجب أن يؤدي إلى شلل كامل في القرار العسكري. فكيف يعمل هذا النموذج عمليا؟
تفكيك المركز.. وبناء 31 عقدة قتالية
بحسب موقع تايمز ناو، أعادت إيران هيكلة "الحرس الثوري" إلى 31 وحدة شبه مستقلة، واحدة لطهران و30 موزعة على المحافظات، في إطار تقليل مخاطر تعطّل منظومة القيادة في حال تعرضها لضربات مركزة.
ويوضح الموقع أن هذه الوحدات تتمتع بصلاحيات تكتيكية أوسع، ما يسمح لها باتخاذ قرارات ميدانية دون انتظار توجيهات مباشرة من العاصمة، بما في ذلك استخدام الصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو تنفيذ عمليات غير تقليدية.
كما ذكرت شبكة سي إن إن أن إيران، بعد الضربات الأميركية-الإسرائيلية، انتقلت إلى نمط عمليات يعتمد على خلايا عسكرية تعمل بنظام لامركزي، تنفذ عمليات إطلاق من مواقع متعددة داخل البلاد، مستخدمة منصات متنقلة يمكن إخفاؤها أو تمويهها.
وصفت صحيفة إيكونوميك تايمز هذه العقيدة بأنها تقوم على مبدأ استمرار العمليات حتى في حال تعرّض القيادة العليا لضربات مباشرة.
التحول إلى اللامركزية.. الدوافع والمخاطر
أوضحت تايمز ناو أن تفعيل "الدفاع الفسيفسائي" جاء بعد استهداف بنى تحتية وقيادية، بهدف تقليل تأثير أي محاولة لتعطيل منظومة القيادة.
وصرّح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن إيران ستقرر "متى وكيف" تنتهي المواجهة، في إشارة إلى اعتماد طهران على بنية عملياتية أقل مركزية.
وتشير تقارير بيزنس توداي وصنداي غارديان إلى أن هذا النموذج يمنح قادة المحافظات صلاحيات أوسع للتحرك وفق تقديرهم الميداني. غير أن خبراء عسكريين يرون أن توسيع هامش القرار الميداني قد يزيد أيضا من مخاطر التصعيد غير المنضبط، خاصة في بيئة إقليمية شديدة الحساسية، حيث يمكن أن تؤدي الضربات المتفرقة إلى اتساع دائرة الاستهداف، بما في ذلك منشآت مدنية أو اقتصادية في دول الجوار.
البعد البحري وتأثيره الإقليمي
على المستوى البحري، أشار تحليل نشره موقع أبوليشين ميديا إلى أن عقيدة "الدفاع الفسيفسائي" لدى بحرية الحرس الثوري تقوم على تقسيم مسرح العمليات إلى قطاعات مستقلة، مع منح الوحدات أوامر مهمة مسبقة لضمان استمرار العمليات حتى في حال تعطّل الاتصال بالقيادة المركزية.
وتُستخدم زوارق سريعة مخزنة في مواقع مختلفة، ويمكن نقلها إلى نقاط إطلاق متعددة، ما يرفع مستوى التعقيد في أي مواجهة بحرية محتملة.
ويرى محللون أن تطبيق هذا النموذج في مناطق حساسة مثل مضيق هرمز قد يزيد من مستوى عدم اليقين الأمني، نظرا لإمكانية تنفيذ عمليات متفرقة من مواقع متعددة، وهو ما ينعكس مباشرة على أمن الملاحة والطاقة والاستقرار الإقليمي.
