بين خطاب أميركي يتحدث عن "القضاء على خنجر حزب الله" ودعوات لبنانية تقول "لا بدّ من التفاوض" مع إسرائيل، يجد لبنان نفسه أمام مشهد متغيّر جذريا، توازنات الحرب والردع التي حكمت معادلة ما كان يعرف بـ"جيش شعب مقاومة" تتهاوى تحت زخم تسويات متسارعة، ومساعٍ أميركية ترعاها إدارة ترامب لطيّ ملف سلاح حزب الله.

في هذا المناخ، يُعيد الحديث عن استراتيجية الدفاع اللبنانية طرح الأسئلة: كيف يتحرك حزب الله وسط تبدّل المعادلات التي صنعته؟ هل ما زال يملك قدرة الحرب والقيادة واللوجستيات، أم أنّ الظرف تخطّاه؟ وهل تملك الدولة اللبنانية سوى باب الدبلوماسية والقرار 1701 كمدخل لإيجاد الحلول عبر الوسطاء؟

من تصريحات الرئيس اللبناني، جوزيف عون، حول "ضرورة التفاوض"، إلى خطة الجيش اللبناني لنزع السلاح ورفض الحزب لها، مرورًا بإشارات ترامب وغراهام في الكنيست والكونغرس، تتجمّع مؤشّراتٌ لمرحلةٍ جديدة في علاقة لبنان بالعالم: مرحلة اختبار القدرة على الانتقال من معادلة السلاح إلى معادلة الدولة.

اعرف أكثر

بيروت أمام معادلة الدبلوماسية و"أي لبنان نريد؟"

قال الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد اللبناني المتقاعد، إلياس حنّا، في حديث خاص لبلينكس إنّ فكرة "جيش شعب مقاومة" ليست دستورية ولا مذكورة في الدستور، وإنّ سلاح حزب الله كان مفروضًا أكثر مما هو مقبول، موضحًا أنّ النظام السوري السابق منح الحزب امتيازات خاصة مكّنته مع الوقت من ترسيخ هذه المعادلة.

وأضاف أنّ الظرف الآن تغيّر وأنّ المنطقة تشهد "تحوّلًا نموذجيًا" تحدّث عنه أيضًا الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حين تطرّق إلى مسألة سحب سلاح حزب الله.

وأكد وجود "زخم متصاعد" لا يستطيع حزب الله مواجهته ولا تقدر الدولة على مجابهته.

وتابع متسائلًا: إذا اعتبر الحزب أنّه أعاد تنظيم صفوفه، فكيف وأين؟ وهل ستسمح إسرائيل أو المجتمع اللبناني بذلك اليوم؟ وإذا كانت إعادة التنظيم بشرية، فهل يمتلك قدرة قيادة وسلطة فعّالة ولوجستيات كافية وخيار حرب مدعوم إقليميا ومحليا؟

وخَلُص حنا إلى أنّ هدف الحزب تغيّر: "يريد ثمنًا سياسيًا ويحافظ على بيئته التي بناها خلال 30 عامًا".

أمام كلّ ذلك، أكد أنّ لبنان لا يملك وسيلة إلا الدبلوماسية لإحراج إسرائيل وتنفيذ القرار 1701 عبر الوسطاء الأميركيين، على أن تُصاغ لاحقًا استراتيجية أمن قومي تُحدّد "أي لبنان نريد" وتبني قوّة ردع تستفيد من دروس غزة وحرب 2006 والحرب الأخيرة.

"لا بدّ من التفاوض".. ومسار تسويات إقليمي

أكّد الرئيس اللبناني، جوزيف عون، أنّه "لا بد من التفاوض" مع إسرائيل لحلّ المشكلات العالقة، بالتزامن مع بدء تطبيق خطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة، لافتًا إلى أنّ الدولة اللبنانية سبق أن تفاوضت برعاية أميركية وأممية وصولًا إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022، ومتسائلًا: ما الذي يمنع تكرار الأمر نفسه اليوم؟

وقال إنّ "الجو العام هو جو تسويات"، ولا يجوز أن يكون لبنان خارج هذا المسار بعدما أثبتت الحرب عقم النتائج.

وذكّر بمساعي واشنطن عام 2023 لترسيم الحدود البرية قبل أن تجمّدها المواجهات، وبوجود 13 نقطة نزاع على خط وقف إطلاق النار، وبأنّ وقف النار الأخير نصّ على تراجع حزب الله من جنوب الليطاني وتفكيك بنيته العسكرية وحصر السلاح بالأجهزة الرسمية، فيما أبقت إسرائيل قواتها على 5 تلال جنوبًا خلافًا لما نصّ عليه الاتفاق.

وطالب بضغطٍ دولي لإلزام إسرائيل، داعيًا إلى وقف الضربات الإسرائيلية واستئناف التفاوض.

"خنجر حزب الله".. هل قضي عليه؟

قال ترامب في كلمته أمام الكنيست إنّ "خنجر حزب الله" الذي كان مُسلّطًا على إسرائيل "تمّ القضاء عليه"، وأعلن دعم إدارته لرئيس لبنان الجديد في مهمّة "نزع سلاح حزب الله نهائيًا ونزع الكتائب الإرهابية للحزب وبناء دولة مزدهرة تعيش بسلام مع جيرانها"، مضيفًا: "هناك أمور جيدة تحصل في لبنان".

وفي واشنطن، أعلن السيناتور الجمهوري، ليندسي غراهام، أنّ "من الضروري أن ينجح لبنان في نزع سلاح حزب الله قبل السلام الحقيقي"، داعيًا إلى استعدادٍ إقليمي ودولي لمساعدة لبنان في هذا المسعى.

وتوقّفت مصادر بارزة لصحف لبنانية عند مخاطبة ترامب رئيس الجمهورية مباشرةً من الكنيست وتحيتِه على ما قام به، واعتبرت ذلك دليلًا على توجّه أميركي حازم لإنهاء أزمة لبنان عبر نزع سلاح حزب الله.