لن يخطر ببالك الكثير إذا رأيت دان أربيل حارس الأمن العجوز في مول تجاري إسرائيلي والذي وصل الخامسة والثمانين من عمره ويعيش في منزل متواضع في هرتزيليا بدعم من الحكومة، لكن دان يخفي خلفه حكايات عن عدة عمليات سرية لجهاز الموساد الإسرائيلي الاستخباراتي قبل قرابة خمسين عام.

رصد منشآت عسكرية سرية مصرية باستخدام الزبادي، وتغلغل في ليبيا لتصوير مقار أمنية باستخدام الأدوات الرياضية، وجند العشرات من العملاء في العالم العربي باستخدام المجلات الإباحية، ولعب دورا مهماً في تهريب اليورانيوم المخصب لمفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي، وشارك في محاولة اغتيال لقيادي فلسطيني مهم حير الموساد لسنوات طويلة.

مع كل ذلك، لا يحصل دان على أي معاش تقاعدي من جهاز الاستخبارات، بل عانى طوال عمره من تشويه السمعة والإساءة والتنمر منهم، بحسب صحيفة هآرتس الإسرائيلية. فما السبب؟

المجلات الإباحية للتجنيد

القصة تبدأ في كوبنهاغن في نهاية الستينات. الموساد أرسل أحد عملائه الشبان للعاصمة الدنماركية في مهمة مثيرة للجدل: تهريب المجلات الإباحية. كانت الدنمارك رائدة في صناعة الجنس آنذاك، حيث سمحت بنشر وتوزيع المجلات الإباحية بشرط حظر وتجريم تصديرها للخارج.

رأى ضباط الموساد فرصةً في الأمر وأعدوا خطة ترتكز إلى تهريب آلاف المجلات الإباحية لألمانيا ومن ثم إيطاليا، لبيعها بأسعار زهيدة جداً للبحارة القادمين من دول عربية، كمدخل للتعرف على أولئك البحارة والتقرب منهم ومن ثم جمع المعلومات عن سفنهم والبضائع التي يشترونها أو يبيعونها، وتجنيد بعضهم كمخبرين للوكالة الاستخباراتية الإسرائيلية.

دان كان الشخص المثالي للمهمة، فهو دنماركي الأصل، وترعرع في كوبنهاغن لعائلة يهودية غير متدينة. عند اندلاع الحرب العالمية الثانية واحتلال ألمانيا للدنمارك عام 1942، خبأه والداه وأخته في منزل لأهل خادمتهم في شمال العاصمة، وكان عمره حينها خمس سنوات. وعندما سنحت الفرصة، قامت العائلة باللجوء للسويد عبر مركب صيد وعاودوا أدراجهم لكوبنهاغن بعد انتهاء الحرب ومن ثم هاجروا للولايات المتحدة الأميركية حيث درس دان إدارة الأعمال في نيويورك.

سرعان ما تبنى والداه العقيدة الصهيونية، وخطى الشاب الدنماركي على خطى والديه في عام 1963، فأصبح صهيونياً وقام بالهجرة لإسرائيل وعمل في شركة للأثاث الدنماركي. الموساد عرض عليه الانضمام لصفوفهم بعد عامين من وصوله البلاد، وأخضعوه للتدريب لستة أشهر. طلبوا منه تصوير جبل، وعندما قام بذلك، هاجمه جندي من الجيش وقام باعتقاله قائلاً بأن تلك كانت منطقة عسكرية مغلقة. ثم طلب منه ضباط الموساد وضع جواز سفر في فتحة في حائط، والانتظار في المكان لاستلام جواز آخر. لكن الشرطة اعتقلته مرة أخرى ووضعته في زنزانة مع مدمني المخدرات وأخضعوه لاستجوابات قاسية: "لم أكن أعلم في ذلك الوقت أن هذه كانت مجرد اختبارات"، هكذا أخبر الصحيفة.

في كوبنهاغن طُلِبَ من دان تأسيس شركة وهمية تدعى "فايكينغ" للاستيراد والتصدير بين أوروبا والشرق الأوسط، والتي مكنت الموساد من اختراق عدة دول العربية لجمع المعلومات والقيام بعمليات خاصة. قدم دان حينها عرضاً لأحد أصدقائه من الشباب للاشتراك معه في تهريب المجلات الإباحية الممولة من الموساد. كان الأمر غير قانوني، لكن الأرباح كانت مغرية، وفقاً لما أوردته هآرتس، فقبل صديقه بذلك إلى أن ألقي القبض على ذلك الصديق من قبل ضباط الجمارك في أحد المرات.

عمليات في دول عربية

التحق دان بوحدة المهام الخاصة في الموساد "قيصرية" حيث قال له نائب رئيس الوحدة، مايك هاراري، إن "وجهه بلا تعابير. لذلك أنت مناسب للمهام الحساسة". إحدى مهامه الأولى كانت شراء اللبن (الزبادي) من فرنسا وإرسالها بطائرة مستأجرة لجيبوتي، والتي كانت في ذلك الحين مستعمرة فرنسية. دان اتفق مع المورد على أن تهبط الطائرة في الطريق في مطار إسرائيلي قبل متابعة رحلتها. وهناك، قام عناصر الموساد باستبدال أرضية الطائرة بزجاج شفاف وكاميرات تصوير، لرصد المواقع العسكرية والمصانع الحربية المصرية في الطريق.

أما في ليبيا، فقد انتحل دان شخصية مُصدر بضائع رياضية ليقوم بتصوير مقرات حكومية وعسكرية، وتنكر أيضاً كسائح على أحد الشواطئ الليبية للقيام بمهمة استخباراتية حساسة بالتعاون مع الكوماندوس البحري الإسرائيلي. وفي جنيف، انتحل شخصية رجل بريطاني يدعى دينيش بيشوب للتعرف على السكرتيرة الألمانية في القنصلية المصرية.

وفي عملية أخرى، تحصل دان على يخت إيطالي وقام بالإبحار به بالقرب من شواطئ لبنان وسوريا لرصد وتصوير مقرات لمنظمة التحرير الفلسطينية. وتورد الصحيفة الإسرائيلية بأنه عندما اقترب دان وزملاؤه من أحد مواقع تدريب أفراد المنظمة بالقرب من ميناء طرطوس السوري، أثارت السفينة ريبة وشك عناصر الأمن الذين أمروها بالرسو في الميناء وقاموا باستجواب طاقمها وفحص وثائق سفرهم على مدار أيام قبل إطلاق سراحهم.

دان قام أيضاً بشراء سفينة تدعى "سكريش بيرغ أ" حملت علماً ليبيرياً، وقامت السفينة بنقل نحو 200 طن من اليورانيوم الطبيعي تحت غطاء توريد تلك الكمية لمُصنعين إيطاليين، بينما كانت الوجهة الحقيقية هي ميناء إسدود ومن ثم مفاعل ديمونا الإسرائيلي.

مهمة قلبت حياته

وصل دان لستوكهولم عام 1973 في مهمة غيرت مجرى حياته بالكامل. دخل البلاد بجواز سفر الدنماركي واسمه الحقيقي، دان إيرت، وسرعان ما انطلق لهاتف عمومي ليتصل بجميع الفنادق الكبرى في العاصمة السويدية ليسألهم سؤالاً واحداً حول وجود علي حسن سلامة عندهم.

سلامة كان عضواً في منظمة أيلول الأسود واتهمته إسرائيل بالوقوف خلف "عملية ميونخ" التي اُختطف وقُتل فيها 11 شخصاً من فريق إسرائيلي الأوليمبي في ألمانيا عام 1972. وقررت إسرائيل على إثر تلك العملية شن سلسلة من الاغتيالات ضد القيادات الفلسطينية في أوروبا والشرق الأوسط، وكان سلامة أحد الأسماء في رأس القائمة.

بعدما أخفق في العثور على سلامة في ستوكهولم، جاءته التعليمات بالتوجه للعاصمة النرويجية أوسلو كجزء من فريق "كيدون" الذي ترأسه مايك هاريري، والذي أصبح قائداً لوحدة قيصيرية في ذلك الوقت. هناك، استأجر دان شقة من مضيفة طيران في الخطوط الإسكندنافية وطُلب منه الاتصال بالفنادق المختلفة للبحث عن شخص يدعى كمال بن أمانة، مرتبط بمنظمة أيلول الأسود.

المعلومات عن كمال وصلت للموساد من عميلة لديهم في مقر جامعة الدول العربية في جينيف تدعى د. أمينة المفتي، بحسب ادعاء هآرتس. ونجح دان في العثور على الفندق الذي أقام به كمال، وعند وصوله الغرفة وجدها فارغة، ووجد جدولاً على الطاولة لمواقيت مغادرة القطار المتجه لمدينة ليليهامر النرويجية.

اتجه فريق الاغتيالات للموساد نحو المدينة، كل منهم ينتحل هوية مختلفة. هناك، التقى دان بعميل آخر يدعى نيحيميا هاميري في مقهى في ليليهامر، وقبيل لقائهما رأى دان رجلاً يشبه علي حسن سلامة. لكن عندما عرض عليه نيحيميا صوراً لسلامة، أجابه دان ثلاث مرات بأنه لا يوجد تشابه.

تسللت بعدها عميلة استخبارات إسرائيلية من أصول سويدية تدعى ماريان جلادنيكوف لحمام سباحة ارتاده الشخص المستهدف، واقتربت منه بملابس السباحة، ولكنها هي أيضاً قالت بأنه لا يوجد تشابه بينه وبين صور سلامة. وشارك في ذلك الرأي أيضاً أفراهام جيمير أحد عنصري الاغتيال في الخلية.

لكن مايك هراري أمرهم بالتنفيذ على أي حال، فتبرصوا بذلك الرجل المشتبه به وقاموا بإطلاق النار عليه عند خروجه من حافلة برفقه زوجته النرويجية الحامل في ذلك الوقت. الصدمة كانت أن الشخص الذي اغتاله فريق الموساد كان شاباً مغربياً يدعى أحمد بوشيخي، واضطرت إسرائيل لدفع تعويض لعائلته بعد عقدين من الزمن في عام 1996 بقيمة 283 ألف دولار. أما سلامة، فبقي حراً طليقاً حتى عام 1979، حينما اغتاله الموساد بتفجير سيارته في بيروت.

الحماقة تكشف المجموعة

تفرقت خلية "كيدون" فور اغتيال الشاب المغربي، وتمكن عنصرا الاغتيال من الفرار فوراً، بينما هرب هراري بحراً على متن يخت نرويجي. دان نجح في الفرار من ليليهامر لأوسلو قبيل لحظات من نصب حواجز شرطة على الطرق. لكن ضابط شرطة انتابه الشك لدى رؤيته "شابة جميلة بشعر أسود ناعم" في سيارة بيجو كما كتب في تقريره "وللحظة التقت أعيننا". كانت تلك الشابة هي ماريان جلادنيكوف، وكانت إلى جوارها في السيارة عميلة الموساد "الأسطورية" سلافيا رفاييل بحسب وصف هآرتس.

أبلغ الشرطي عن السيارة وأُصدر تعميم برقم تلك المركبة. الفريق كاد أن يلوذ بالفرار، لولا خطأ كارثي، وهو قيام ماريان وهراري بإعادة السيارات المستأجرة للمطار، بتعليمات من هراراي. ضابط شرطة نرويجي خرج ليدخن سيجارة فوجد أمامه مركبة ماريان المشتبه بها، ووجدها متكئةً عليها، فقام باستجوابها بشكل مختصر، لتجيبه بأنها سائحة سويدية تنتظر صديقاً دنماركيا، وهو دان فتم اعتقال الثنائي معاً.

الشرطة ذهبت لتفتيش منزل دان، فوجدت عنصري موساد آخرين. ونجحت الشرطة في الوصول لعنصرين آخران في منزل يجال عيال، ضابط أمن السفارة الإسرائيلية، والذي طردته النرويج إثر الحادث.

عند استجواب المجموعة، رفض أربعة منهم الحديث أو التعاون مع الشرطة، لكن دان باح بكل أسرار العملية بالتفاصيل المملة بعد وضعه في زنزانة في القبو والتي أثارت في نفسه نوبة هلع بسبب خوفه من الأماكن المغلقة.

في الأوساط الإسرائيلية، لطالما تم إلقاء اللوم على دان في الكشف عن أمر العملية السرية وخلية الموساد. لكنه أخبر صحيفة هآرتس الأسبوع الماضي بأن سبب تعاونه مع الشرطة وإخبارهم بكل شيء هو ظنه أن عملية الاغتيال تمت بالترتيب بين الموساد والمخابرات النرويجية، حيث إدعى بأن هراري أخبره بذلك.

محققو الشرطة النرويجية رجحوا بدايةً أن يكون سبب عملية الاغتيال ذو علاقة بالمخدرات أو العصابات الإجرامية. "عملاء الموساد لا يتصرفون هكذا" أبدى التقرير الأولي للتحقيق هذا الاستنتاج.

حوكم الفريق، وأدينوا جميعاً وأرسلوا للسجن ما بين سنة وستة سنوات، وحصل دان على أعلى عقوبة منهم. لكن بعد عامين من الحبس، أصدرت السلطات النرويجية عفواً عنهم وأُعيدوا لإسرائيلي.

هناك، حاول دان القيام ببعض الأعمال التجارية دون نجاح. وتضيف الصحيفة بأنه لم يحصل على أي معاش تقاعدي من الموساد كونه عمل لديهم بعقد عمل حر، لا كموظف رسمي.

قبل نحو 15 عاماً، تمت دعوة دان أربيل وعائلته لتكريم رسمي في مقر الموساد في غيلوت بتل أبيب. حصل هناك على شهادة تقدير وأثنى عليه هراراي "لإسهاماته الكبرى في عمليات جرئية خلف خطوط العدو"، لكن هراراي أضاف "فشلت في ليليهامر".

أما هراري نفسه فقد كان قد تقدم باستقالته هو ورئيس الموساد على إثر فضيحة ليليهامر في عام 1973، لكن رئيسة الوزراء جولدا مائير رفضت طلبهم.