توترت الأجواء بين بطريرك الكلدان الكاثوليك بالعراق الكاردينال، لويس روفائيل ساكو، ورئيس الجمهورية العراقي عبد اللطيف رشيد، إثر ذلك قرر ساكو الانسحاب من المقرّ البطريركي في بغداد والتوجه إلى أحد الأديرة في إقليم كردستان، في بلد يعاني فيه المسيحيون أصلا من الأوضاع الاقتصادية والهجرة وتراجع أعدادهم.
ويعدّ الكاردينال ساكو الذي كان عراب زيارة البابا فرنسيس التاريخية إلى العراق في 2021، شخصية عامة مهمة بالنسبة للأقلية المسيحية، وللمسؤولين السياسيين في البلاد.
ومنذ أشهر، اشتدّ الخلاف بين ساكو وريان الكلداني، زعيم حركة مسيحية ممثّلة في البرلمان، والحكومة، ومنضوية في الحشد الشعبي وهو تحالف فصائل مسلحة موالية لإيران باتت جزءا من القوات الرسمية.
وفي يوليو، اتخذت الأحداث منحى آخر مع سحب رئيس الجمهورية مرسوما يحمل الرقم 147 لعام 2013 يمنح وظائف الكاردينال كرئيس للكنيسة الكلدانية وضعا قانونيا. ومتوليا على أوقاف البطريركية.
ونشرت الوقائع العراقية في عددها (4727) الصادر في 3 يوليو 2023، المرسوم الجمهوري رقم (31) القاضي بسحب المرسوم الجمهوري رقم (147) لسنة 2013 الخاص بالكاردينال البطريرك لويس روفائيل ساكو.
وفي مقابلة مؤخرا مع قناة محلية، أوضح الكاردينال ساكو أن ذلك المرسوم كان ضروريا له من الناحية الإدارية ليتيح له إدارة أملاك وأوقاف الكنيسة.
لكن رئاسة الجمهورية العراقية بررت سحب المرسوم بغياب "سند دستوري وقانوني" له. وفي بيان آخر، أوضحت الرئاسة أنه "لا تصدر المراسيم الجمهورية بالتعيين إلا للعاملين في المؤسسات والرئاسات والوزارات والهيئات الحكومية". وأضافت "بالتأكيد لا تُعد المؤسسة الدينية دائرة حكومية ولا يُعد رجل الدين القائم عليها موظفا في الدولة كي يصدر مرسوم بتعيينه". وأوضحت في الوقت نفسه أن "سحب المرسوم الجمهوري ليس من شأنه المساس بالوضع الديني أو القانوني للكاردينال لويس ساكو"، مشددةً على أن "البطريرك لويس ساكو يحظى باحترام وتقدير رئاسة الجمهورية".
ومندداً بـ"حملة" ضدّه من حركة "بابليون" وبـ"صمت" الحكومة، أعلن ساكو السبت في بيان أنه "قرر الانسحاب من المقر البطريركي ببغداد (..) إلى أحد الأديرة في إقليم كردستان العراق". وإذ شجب ما اعتبره "لعبة قذرة"، اقترح على من وصفه "حامي الدستور" في إشارة إلى رئيس الجمهورية بأن يولي الكلداني وشقيقيه مسؤولية "أوقاف الكنيسة".
ويتبادل ساكو والكلداني اتهامات بمحاولة الاستيلاء على مقدّرات المسيحيين في البلاد التي شهدت عقوداً من النزاعات وتعاني الفساد. ويندد الكلداني الخاضع لعقوبات أميركية منذ العام 2019، بدور "سياسي" للكاردينال ساكو، في حين يتهم ساكو الكلداني بمحاولة الاستحواذ على التمثيل المسيحي.
وكان ساكو بعث برسالة إلى رئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد، طالب فيها بإلغاء سحب المرسوم الجمهوري الخاص به. وتساءل ساكو في رسالته: "هل كان مرسوم مام جلال على خطأ؟، فأتيتم لتصححوا الخطأ؟". فيما أشار إلى رفع طعن قانوني في حال عدم الإلغاء، قائلا: "أتمنى أن تدركوا خطورة قراركم على المكوّن المسيحي".
يأتي هذا في وقت، تجمع المئات من المسيحيين، صباح الخميس، أمام كاتدرائية "مار يوسف" للكلدان الكاثوليك في عنكاوا بأربيل، والتي تضُم أكبر تجمّع مسيحي ليس في العراق فحسب، بل في منطقة الشرق الأوسط بأسرها.
ونظّم المتجمعون وقفة احتجاجية، قالوا عنها في بيان إنها تمثل أحزاب وحركات الشعب المسيحي من الكلدان والأشوريين والسريان والأرمن ورؤساء وأعضاء منظمات المجتمع المدني وجميع شرائح المجتمع العنكاوي المسيحي.
وخاطب المحتجون في بيانهم الرئيس العراقي، قائلين: "بوقفتنا الاحتجاجية هذه نعرب عن استنكارنا وشجبنا لما اقدمتم عليه من خطوة ترتقي إلى إهانة وإذلال رمز من رموزنا الدينية، ألا وهو أبينا الموقّر البطريرك والكاردينال مار لويس ساكو رئيس الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في العراق والعالم، وذلك من خلال إصداركم المرسوم الجمهوري المرقم 31 لسنة 2023، والذي ألغيتم به مرسوماً جمهورياً آخر كان قد صدر قبل ١٠ سنوات".
وذكر البيان أنّ "مثل هذه الإهانة لرئيسِ أكبر كنيسة في العراق لهي سابقة خطيرة ومؤلمة لنا جميعاً، لم تحدث طيلة تاريخ العراق، وسيكون لها آثارها وتبعاتها السيئة التي لا تحمد عقباها على وجودنا المسيحي بأسره، سواء في العراق أم في المنطقة برُمّتها؛ فهذه السابقة تُعدُّ ضربةً في الصميم، توجّه إلى مكوِّن مسالم من قبل من يفترض أن يكونَ حامي العراقيين جميعاً".
وتعدّ الكنيسة الكلدانية من أكبر الكنائس في العراق. وتشير التقديرات إلى أن عدد المسيحيين اليوم لا يتخطى 400 ألف نسمة، من نحو مليون ونصف مليون قبل عقدين، هاجروا بسبب عشرين عاما من الحروب والنزاعات. وفي شمال العراق، خلت قرى كاملة من سكانها الذين هربوا في العام 2014 مع سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على المنطقة.
