أنواع من اللحوم الشعبية التي يفضلها الأوروبيون قد تكون المدخل لإفلات روسيا من الحظر الشامل الذي فرضته أوروبا على الاقتصاد الروسي.

إسبانيا هي المدخل لهذا الاختراق الروسي، باعتبارها المنتج الأكبر لنوعين من اللحوم، السيرانو والشوريزو، والتي تعتمد في إنتاجها على الأعلاف الحيوانية الواردة من أوكرانيا بدرجة أساسية، ومصير صادرات تلك الحبوب مرهون بقرار الكرملين، حيث تسيطر روسيا على جنوب أوكرانيا والبحر الأسود وبالتالي حركة الملاحة الأوكرانية البحرية، هذا الأمر يدفع الاتحاد الأوروبي اليوم لمراجعة عقوباته على البنوك الروسية التي تم فصلها عن المنظومة المالية العالمية SWIFT.

أزمة مع بداية الحرب

مع بداية الحرب الروسية في أوكرانيا، واجه العالم نقصها في الطحين وارتفعت أسعار الخبز والحبوب بسبب إغلاق الموانئ الأوكرانية وتكدس أكثر من 20 مليون طن من الحبوب فيها. هذا الأمر انتشرت تداعيه في شتى بقاع الأرض، سواء في مصر والدول العربية أو أوروبا. فبلجيكا، مثلا، اضطرت فيها محلات البقالة لتحديد حصة معينة من لكل مشتري من الطحين، وأعلن نحو 40% من منتجي الطعام فيها إيقاف أو تخفيض انتاجهم بشكل كبير، وواجهت المخابز خطر الإفلاس مع ارتفاع أسعار الطحين بنسبة 30% خلال ثلاثة أسابيع فقط.

في الواقع، يقدر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة أن الحبوب الأوكرانية تطعم نحو 400 مليون إنسان حول العالم. لذلك، ينذر انقطاع إمدادات تلك الحبوب بإحداث مجاعات وارتفاع في الأسعار بشكل جنوني ما قد يؤدي لاضطرابات اقتصادية وسياسية حول العالم.

Image 1

كيف تمت معالجة المشكلة؟

في شهر يوليو الماضي احتفت الأمم المتحدة بتوقيع اتفاق مفصلي هام سمي بمبادرة البحر الأسود بين حكومتي أوكرانيا وروسيا بوساطة تركيا يهدف لمنع حدوث أزمة غذائية عالمية. سمح هذا الاتفاق باستئناف تصدير الحبوب الأوكرانية عبر الموانئ الجنوبية لتبحر في البحر الأسود باتجاه مضيق البسفور ومن ثم للدول المستوردة حول العالم. ويتضمن الاتفاق آليات لمراقبة وتفتيش السفن وضمان عدم استخدام هذا المسار البحري في توريد الأسلحة أو شن هجمات على روسيا.

علقت روسيا مشاركتها في الاتفاق في شهر أكتوبر الماضي على إثر تفجير جسر جزيرة القرم، حيث ادعت السلطات الروسية أن المتفجرات المستخدمة تم نقلها بشاحنة مخصصة لنقل الحبوب. لكن الكرملين تراجع عن هذه الخطوة بعد بضعة أيام بعد مباحثات مع تركيا وتعهد أوكراني بعدم شن هجمات عبر الممر البحري الآمن.

تم تمديد الاتفاق مرتين في العام الجاري بوساطة الأمم المتحدة وتركيا في شهري مارس ومايو لستين يوماً في كل مرة، ما يعني أن الاتفاق تنتهي مدته في منتصف شهر يوليو الجاري.

Image 1

التفاف قانوني على العقوبات

مع قرب انتهاء صلاحية اتفاق الحبوب، أفادت الأمم المتحدة الأسبوع الماضي أنه لم يتم تسجيل أي سفن جديدة لمنحها تصريح ملاحة منذ 26 يونيو، على الرغم من أن 29 سفينة تقدمت بتلك الطلبات. الحكومة الروسية تقول إن ليس لديها أي حافز للحفاظ على الاتفاق. فمبعوث روسيا للأمم المتحدة في جنيف، غينادي جاتيلوف، أخبر وكالة "إزفستيا" الروسية بأن تنفيذ شروط روسيا لتمديد الاتفاقية "متعثر". وتشمل هذه الشروط، من بين أمور أخرى، إعادة ربط البنك الزراعي الروسي Rosselkhozbank بنظام الدفع المصرفي العالمي SWIFT.

فرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مجموعات من العقوبات الصارمة المختلفة على روسيا منذ بدء الحرب شملت عزلها عن المنظومة المالية العالمية وتجميد أرصدة بنكها المركزي ومحاصرة البنوك الحكومية وفرض سقف سعري للنفط. لكن احتمالية تجدد أزمة الحبوب يدفع الاتحاد الأوروبي الآن لدراسة مقترح من شأنه السماح للبنك الزراعي الروسي الالتفاف على العقوبات وتجاوزها دون إحراج بروكسل وإظهارهم بمظهر ضعف إذا قاموا بالتراجع عن تلك العقوبات بشكل رسمي.

Image 1

بحسب صحيفة فاينانشال تايمز، ينص المقترح الذي تتوسط فيه الأمم المتحدة على أن يقوم البنك الروسي بتكوين شركة تابعة له تسمح لها أوروبا بالاتصال بالشبكة المالية العالمية للتعامل مع المدفوعات المتعلقة بالصادرات الزراعية الروسية. قادة الاتحاد يبحثون في قانونية تلك الخطوة التي يُعقِّدها حقيقة أن البنك الزراعي مملوك بالكامل من قبل الكرملين وأن مديره التنفيذي السابق هو وزير الزراعة الروسي الحالي ديمتري باتروشيف، وهو ابن نيكولاي باتروشيف سكرتير مجلس الأمن الروسي الذي كان له دور فعال في دفع الحرب ضد أوكرانيا.

ويقول مسؤولون أوروبيون إن التهديدات الروسية بإنهاء اتفاق الحبوب أكثر جدية وخطورة هذه المرة من المرات السابقة، وفقاً لما نقلته الصحيفة. بينما قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف الأسبوع الماضي إن موسكو لا ترى أي سبب للموافقة على التمديد بسبب ما وصفه بالسلوك "الشائن" للدول الغربية فيما يتعلق بالتزاماتها.

كيف ستتأثر أوروبا من تعليق الاتفاق؟

صادرات الحبوب الأوكرانية تمثل شريانا ماليا حيويا للحكومة الأوكرانية خلال الحرب الجارية، وقد يؤدي تعليق اتفاق الحبوب لأزمات اقتصادية وإنسانية حول العالم وارتفاع مجدد لأسعار السلع الأساسية وشح في تلك السلع، ليس فقط في سوق الحبوب، بل أيضاً في المنتجات المعتمدة عليه، بما في ذلك أسعار اللحوم.

الاتحاد الأوروبي هو أكبر المستوردين للحبوب الأوكرانية بنسبة 47% خاصة إسبانيا وإيطاليا وهولندا، تتبعه دول الطبقة المتوسطة كالصين وتركيا بنسبة 27٪، بينما تستورد الدول النامية والفقيرة حوالي 26٪ من تلك الحبوب ومنها السودان ومصر وكينيا وفقاً لما نقلته صحيفة BBC. تشتهر بلدان مثل إسبانيا بنقص الحبوب لديها منذ الثمانينيات. ما دفعها إلى اللجوء للمصادر الخارجية للحبوب لتغطية ما يقرب من نصف احتياجات البلاد للاستهلاك البشري وإنتاج الأعلاف الحيوانية. وتقدر بعض المصادر أن ما يقارب نصف الحبوب الأوكرانية المستوردة في أوروبا ذهبت لإنتاج لحوم السيرانو والكوريزو الإسبانية الشهيرة.

منذ العام الماضي، وإسبانيا أيضاً تعاني من موجة جفاف حادة أثرت على إمدادات المنتجات الزراعية حول أوروبا، ففي شهر مايو نقلت صحيفة CNN الأميركية كيف أن إسبانيا توشك أن تصبح أرضاً قاحلة بعد جفاف البحيرات وموت المحاصيل الزراعية. وقد أعلنت الحكومة الإسبانية في نفس الشهر تبني خطة غير مسبوقة بنحو 2.4 مليار دولار لإنقاذ القطاع الزراعي وتجنب نقص الغذاء بعد أن شهدت البلاد أكثر شهر إبريل ساخن وجاف في تاريخها.