لم تعد العلاقة بين الأدب والذكاء الاصطناعي مجرد فكرة خيالية تدور في أفلام المستقبل، بل أصبحت واقعا يقتحم أكثر المساحات حساسية في عالم الثقافة. عندما اعترفت الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك، الحائزة على جائزة نوبل للآداب، بأنها تستخدم الذكاء الاصطناعي خلال عملها على الكتب والروايات، اشتعل جدل عالمي تجاوز حدود الأدب نفسه ليصل إلى سؤال أكبر: هل ما زال الإبداع البشري خالصا كما كان؟

وبحسب مجلة دير شبيغل الألمانية، فإن تصريحات توكارتشوك خلال ندوة في بولندا أحدثت صدمة واسعة، بعدما قالت إنها "منبهرة باستمرار بكيفية توسيع الذكاء الاصطناعي لآفاقها وتعميقه لتفكيرها الإبداعي". لكن الكاتبة سارعت لاحقا إلى توضيح أن الذكاء الاصطناعي لم يكتب نصوصها، بل استخدمته كأداة بحث فقط.

من "العبقرية الفردية" إلى "الإبداع المشترك"

لفترة طويلة، كان الكاتب ينظر إليه باعتباره "عبقريا" يخلق عوالمه من فراغ، أشبه بصورة الفنان الملهم الذي يمتلك موهبة خارقة لا يمكن تقليدها. لكن تقرير دير شبيغل يفيد بأن العصر الرقمي بدأ يهز هذه الصورة التقليدية بقوة.

فالموسيقى، على سبيل المثال، اعتادت منذ سنوات على تقنيات "السامبلينغ" وإعادة استخدام المقاطع الصوتية، بينما يعتمد الفن الرقمي على برامج وخوارزميات متطورة. واليوم، يبدو أن الأدب يدخل المرحلة نفسها.

وتشير المجلة إلى أن السؤال الحقيقي لم يعد: "هل يستخدم الأدباء التكنولوجيا؟"، بل "كيف يستخدمونها؟". المشكلة، بحسب التقرير، ليست في الاستعانة بالذكاء الاصطناعي نفسه، بل في إخفاء ذلك، لأن الأمر قد يتحول حينها إلى شبهة "سرقة أدبية" أو "خداع فني".

وفي عالم باتت فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي قادرة على تلخيص الكتب وابتكار الحبكات وحتى تقليد الأساليب الأدبية، بدأت الحدود بين "المساعدة التقنية" و"الكتابة الفعلية" تصبح أكثر ضبابية من أي وقت مضى.

📱

Loading TikTok...

روايات بشرية.. أم نصوص كتبتها الخوارزميات؟

تقول دير شبيغل إنّ استخدام الذكاء الاصطناعي في الأدب لا يزال في بدايته، لكن المؤشرات تتزايد بسرعة.

في بريطانيا، ظهرت أخيرا قضية كاتب يشتبه في أنه استخدم الذكاء الاصطناعي لإنتاج نص فاز بجائزة "الكومنولث" الأدبية المرموقة.

وفي المقابل، تلفت المجلة إلى مفارقة لافتة: بعض الروايات الرائجة على منصات مثل "بوك توك" تبدو "آلية" إلى درجة تجعل القارئ يشعر وكأن الذكاء الاصطناعي كتبها بالفعل، حتى لو لم يكن ذلك صحيحا.

وتضيف أن الأدب نفسه لم يكن يوما "إبداعا خالصا" منفصلا عن الآخرين، مستشهدة بالشاعر الألماني بيتر رومكورف الذي قال إن كل المبدعين يبنون أعمالهم على أفكار وتجارب من سبقوهم. لكن الذكاء الاصطناعي يسرع هذه العملية بشكل غير مسبوق عبر جمع المعرفة البشرية كلها في مساحة واحدة سهلة الوصول.

هل يصبح الذكاء الاصطناعي شريكا في نوبل المقبلة؟

ترى دير شبيغل أن العالم قد يكون أمام تحول ثقافي كبير، فكما غيرت الكاميرا مفهوم الرسم، وربما كما غيرت الآلات الموسيقية الإلكترونية شكل الموسيقى، قد يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف الأدب نفسه.

وتذهب المجلة إلى حد توقع أن يظهر مستقبلا كاتب أو كاتبة يفوز بجائزة نوبل بعمل كتب جزئيا بمساعدة الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن "الفضيحة الحقيقية" لن تكون في استخدام التقنية، بل في إخفاء استخدامها عن القراء والنقاد.

وفي قلب هذا الجدل، تبدو أولغا توكارتشوك وكأنها فتحت بابا لن يكون من السهل إغلاقه. فالسؤال الذي كان قبل سنوات يبدو خياليا، "هل تستطيع الآلة المشاركة في كتابة الأدب العظيم؟"، أصبح اليوم مطروحا بجدية داخل أكثر الأوساط الثقافية نخبوية في العالم.