بعد نحو ثمانين عاما على أول تفجير نووي في التاريخ، ما تزال صحراء نيومكسيكو الأميركية تكشف أسرارا جديدة عن اللحظة التي غيرت العالم.

في بقايا زجاجية تشكلت بفعل الحرارة الهائلة لاختبار "ترينيتي" عام 1945، عثر علماء على بنية مادية غامضة لم يسبق رصدها من قبل، في اكتشاف يعيد فتح النقاش حول التأثيرات الفيزيائية والإنسانية لأول قنبلة ذرية.

وبينما يرى الباحثون أن الانفجار النووي خلق "مختبرا طبيعيا" أنتج مواد يستحيل تصنيعها في الظروف العادية، يعيد الاكتشاف أيضا التذكير بالإرث الثقيل لعصر السلاح النووي الذي بدأ مع مشروع "مانهاتن" وانتهى بقصف هيروشيما وناغازاكي.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

كيف ولدت المادة الغامضة من قلب الانفجار النووي؟

بحسب تقرير نشرته مجلة دير شبيغل الألمانية، نجح فريق بحثي بقيادة عالم المعادن الإيطالي لوكا بيندي من جامعة فلورنسا في اكتشاف بنية بلورية غير معروفة داخل مادة "ترينيتايت"، وهي الزجاج الأخضر الذي تشكل بعد انفجار أول قنبلة ذرية في صحراء نيومكسيكو.

وأوضح التقرير أن الحرارة الهائلة الناتجة عن التفجير النووي صهرت الرمال الصحراوية وحولتها إلى زجاج مشع جزئيا، فيما خلف الانفجار حفرة بعمق متر ونصف وقطر بلغ نحو 80 مترا.

احتوت العينة التي فحصها العلماء على تركيب معقد من السيليكون والكالسيوم والحديد والنحاس، وهي بنية قال الباحثون إنها لا يمكن أن تتشكل أو تبقى مستقرة في الظروف الطبيعية.

وأكد لوكا بيندي في تصريحات نقلتها دير شبيغل أن "الأحداث القصوى مثل تفجير القنبلة النووية تعمل مثل تجارب مخبرية في الطبيعة، وتكشف ترتيبات ذرية نادرة لا يمكن الوصول إليها عادة".

وأشار التقرير إلى أن النحاس الموجود في المادة جاء من الكابلات والمنشآت المعدنية التي تبخرت أثناء الانفجار، ثم تجمدت بسرعة هائلة داخل الزجاج النووي.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

"ترينيتي".. اللحظة التي دخلت فيها البشرية العصر النووي

يعود أصل هذه المادة إلى صباح 16 يوليو 1945، عندما فجرت الولايات المتحدة أول قنبلة ذرية في التاريخ ضمن مشروع "مانهاتن". وتصف الفيزيائية الأميركية جوان هينتون، التي عملت ضمن المشروع، اللحظة بأنها بدت وكأنها "قاع محيط من الضوء".

يوضح التقرير أن القنبلة التي أشرف على تطويرها روبرت أوبنهايمر كانت من النوع نفسه الذي ألقي لاحقا على مدينة ناغازاكي اليابانية. وقد بلغت قوة التفجير نحو 20 ألف طن من المتفجرات التقليدية.

ومع الانفجار، ارتفعت سحابة الفطر النووي في السماء، بينما ذابت الرمال وتحولت إلى مادة "ترينيتايت" التي أصبحت لاحقا محط اهتمام العلماء وجامعي التذكارات. وأشارت دير شبيغل إلى أن أخذ عينات من الموقع كان مسموحا لسنوات قبل أن يتم حظره لاحقا.

كما يلفت التقرير إلى أن الاكتشاف الجديد يوثق فعليا اللحظة التي "أشعل فيها البشر أول سلاح نووي"، لأن المادة المكتشفة لم يكن ممكنا أن تتشكل إلا خلال تلك الظروف القصوى والاستثنائية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

مادة تحير العلماء وتعيد إحياء إرث أوبنهايمر

ليس الاكتشاف الجديد الأول من نوعه داخل بقايا "ترينيتايت"، حيث أعلن في عام 2021 الفريق نفسه اكتشاف "شبه بلورة" داخل الزجاج النووي، وهي بنية قال العلماء إنها تخالف القواعد التقليدية لعلم البلورات.

وأوضح التقرير أن شبه البلورات تعد من أغرب أشكال المادة الصلبة، وأن العينات الطبيعية المؤكدة منها كانت نادرة للغاية قبل العثور على نسخة "ترينيتي". كما أن العلماء لم ينجحوا حتى الآن في إعادة تصنيعها داخل المختبر.

قال الباحث الألماني مايكل إنغل من جامعة إرلانغن نورنبرغ إن الطبيعة قادرة تحت الظروف القصوى على إنتاج تراكيب لا تظهر تقريبا في المختبرات التقليدية، مضيفا أن "الخلفيات والقصة الجيدة تلعب أحيانا دورا في العلم أيضا".