في مقالة لمراسل الغارديان ريتشارد كوك، تستبق صدور كتابه "آخر أفضل مكان على الإنترنت: تاريخ ويكيبيديا البشري" المتوقع في 5 نوفمبر، يضيء بإسهاب على التناقض بين كيفية استخدام الناس لويكيبيديا، وبين الطريقة التي يتحدثون بها عنها. فالجميع يستخدمونها باستمرار، ومع ذلك ظلت سمعتها عالقة عند فكرة "عدم الموثوقية"؛ كونها "الموسوعة الحرة التي يمكن لأي شخص تعديلها".

لكن كوك يرى أنه أمرٌ ليس بالهيّن لموقع إلكتروني لم يطرأ عليه سوى تغييرات طفيفة منذ تأسيسه قبل 20 عاماً، وسجل 1.9 تريليون مشاهدة للصفحات في الفترة ما بين 2015 و2025، ألا يثق به مستخدموه، فهو أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتهم اليومية منذ أن أسسها جيمي ويلز ولاري سانجر عام 2001.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

الذكاء الاصطناعي يهدد ويكيبيديا؟

كوك الذي يقول إنه انغمس في عالم هذا الموقع الثري، يلفت إلى أنه لم يتوقع أن تكون ويكيبيديا هشة أو عرضة للخطر بسبب الذكاء الاصطناعي.

وأوضح أنه خلال وضع اللمسات الأخيرة على كتابه، بدأ الذكاء الاصطناعي يهدد وجود هذا المشروع الضخم بطرق جوهرية؛ سواء من خلال تقليص حركة الزوار التي تعتمد عليها، أو عبر قيام بعض المحررين بإضافة كميات ضخمة من النصوص الرديئة التي أنتجها الذكاء الاصطناعي.

ويقر أن هذا التهديد حقيقي ويطال كل شيء تقريباً، بدءاً من هوليوود وصولاً إلى الرياضيات البحتة.

لكنه أضاف "مع ذلك، فأنا على يقين بأن ويكيبيديا ستصمد؛ لكن اهتزاز أسسها جعل من الضروري التأكيد على حقيقة أننا شهدنا لحظة تأسيس هذا المشروع، ولن نرى شيئاً يضاهيه مرة أخرى".

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

لكن ما أسباب صمود ويكيبيديا؟

بحسب المراسل، رغم ان الركائز الأساسية للمشروع تشكلت بسرعة كبيرة وبدا الموقع غير احترافي، ونفر منه الكثير من الكُتّاب والصحفيين وإن لاقى اهتماما من قلة من الأكاديميين، بقيت أسباب نجاحه تطرح تساؤلات.

ومن هذه المعادلة يسرد المراسل اهتمامه بعالم ويكيبيديا ويلفت إلى أن الفلسفة، بل وحتى تخصصات بعيدة عن هذا المجال - كتخطيط المدن والشعر - لعبت دوراً في نشأتها يفوق بكثير دور التكنولوجيا البحتة.

فعند تأسيس ويكيبيديا فكّر وارد كانينغهام، الذي ابتكر نظام "الويكي" في تسعينيات القرن العشرين -وهو صفحة ويب يمكن لأي شخص تعديلها، ويُعد الأداة التأسيسية لموقع "ويكيبيديا"- ملياً في كيفية إتاحة قوة الحواسيب للجميع على نحو ديمقراطي.

بحسب كاتب المقال، فقد استلهم في ذلك مفاهيم متنوعة وغير تقليدية، مثل "البنائية" (constructivism) ومفهوم "وابي-سابي" (wabi-sabi) في فلسفة "الزن" -الذي يرى الجمال في عدم الكمال- ومن اللافت حقاً مدى صمود واستمرار الثقافة التي أسسها. وينطبق هذا بشكل خاص على مفهوم "وابي-سابي"؛ فموقع "ويكيبيديا" يظل، في نهاية المطاف، في حالة دائمة من عدم الاكتمال.

كما كانت الفلسفة هي الرابط الذي جمع بين مؤسسي "ويكيبيديا". فمع أن جيمي ويلز عمل في مجالي التكنولوجيا والمالية، إلا أنه ظل لسنوات يتبادل المراسلات مع فلاسفة. ومن جهة أخرى، كان لاري سانجر فيلسوفاً أكاديمياً، لكنه قضى وقتاً طويلاً في خوض نقاشات عبر الإنترنت؛ حيث بدا أن "الهواة" وحدهم يشاركونه قناعته بأن للفلسفة أهمية مصيرية تتعلق بالحياة والموت.

وفي خضم طفرة شركات الإنترنت (dotcom boom)، بادر كثيرون بإنشاء موسوعات رقمية، لكن ويلز كان الوحيد الذي وظّف فيلسوفاً؛ بل إن الشخص الوحيد الذي وظّفه كان فيلسوفاً بالفعل. لقد كان خياراً غير متوقع على الإطلاق، لكنه يقدّم مفتاحاً مهماً لفهم سر نجاح "ويكيبيديا"؛ فقد انبثقت من رحم ما يمكن تسميته "جمهورية الآداب" (republic of letters) الرقمية، حيث انخرط أفراد من شتى الخلفيات في التفكير في الحقائق وأهميتها.

يقول كوك إنه ونظراً لضخامة ويكيبيديا، فقد ركز في كتابه المقبل على التاريخ البشري؛ أي على ذلك العدد القليل -وأحياناً القليل جداً- من الأشخاص الذين كان لهم تأثير حقيقي في تشكيل ما أصبحت عليه ويكيبيديا اليوم.